الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ١٩٥ويعترض: بِأَنَّهُ لَمْ يَكن لَمس الأَجنَبيَّة نَاقضا لكونه سببا لذَلِكَ، وإِنَّمَا كَانَ نَاقضا لكونه مَعصِيَة، فهو من خطاب التكليفِ لاَ مِن خطاب الوضع، كما يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ استثناء الشيخ إِسْمَاعِيل مسّها لضرورة أَو لدواء، فَإِنَّه إذا مسَّها لذَلِكَ ارتفعَ الإثْم فَلم يَنتقض الْوُضُوء، فظهَر لك بذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ ينقض مسّها إِلاَّ لِكونِها مَعصِيَة كما قدَّمنا، فينبغي أن يقال في الردِّ عَلَى مَالك: إِنَّه إذا قصدَ مسَّها لغَيْر ضَرورة صار آثِما بنفس القصدِ إِلَى ذَلِكَ، فلا يُشترط فيه قَصد اللذَّة ولا وجودها؛ لأَنَّ الْوُضُوء يَنتقض بالْمَعصِيَة الوَاحِدَة، ولاَ يشترط في نقضه ضمُّ مَعصِيَة إِلَى مَعصِيَة، وَالله أَعلَم.
وخرجَ بِالأجنبيَّة ذواتِ الْمحارم والزوجةِ والسريَّة.
فَأَمَّا ذَوات الْمحارم فَقد رخَّص بَعْضُ أَصحَابنَا في مسِّ مَا يَجُوزُ النظرُ إليه من أبدانِهنَّ.
وشدَّد آخرون وقَالُوا: إنَّ اللمس أشدّ مِن النظر، فإباحة النظرِ لا تَدُلُّ عَلَى إباحة الْمسِّ.
وأَيضًا: فإنَّ الشرعَ إِنَّمَا وَرد بإبداءِ الزينة عِندَ ذوي الْمحارم، وَلَم يَرِد بِجواز مسِّ الأبدان، فما أباحَ الشرع فهو مباح، وما لَمْ يبحه منهنَّ فحُكمه حُكم سَائِر النساء.
والقائلون بِجواز ذَلِكَ إِنَّمَا قَاسوه عَلَى النظرِ الْمباح منهنَّ.
وقد يُردُّ: بأنَّ بين النظر والْمسِّ فرقًا، إذ اللمس أشدّ من النظرِ، والشرط في القياس أن يُساوي الفرعُ الأصل في علَّته وحِكمته، فإن اختلَّ الشرط فسد القياس، وَالله أَعلَم.
ثُمَّ رَأيت في بَعْض كُتب قومنا أنَّ الصَّحَابَة كَانُوا لا يتوضَّؤون من لَمس الصغِيرة والْمحارم، /232/ فإن صحَّ هَذَا الْخَبَر فهو حجَّة للمرخِّصين في لَمسهنَّ؛ لأَنَّ الصَّحَابَة لا يَفعلون ذَلِكَ إِلاَّ لِعلم مَعهم عَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذَلِكَ، وَالله أَعلَم.