الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٢٤٦وقال أبو عبد الله: عَلَى الرجل أن يغضَّ عنها بصره وإن لَمْ تستتر؛ لأَنَّ الله تَعَالَى قد أمرها بالاستتار.
وقال أبو عبد الله مُحَمَّد بن إبراهيم: في نِساء الْجيران الأجنبيات من اللواتي لا يستترن من الرجال، قال: يُعجبني أن لا ينتقض وُضُوء من نظر إليهنَّ كالْمُتَبَرِّجَات.
قِيلَ له: فظَاهِر قدمها لا يُمكنها ستره وهي مِمَّن تستتر، أتكون كالْمُتَبَرِّجَات؟ قَالَ: يشبه أنَّ الْمَعنَى واحد.
فهَذَا الأثر عن أبي عبيدة وعن مُحَمَّد بن إبراهيم -رحمهما الله تَعَالَى- يَدُلُّ عَلَى الترخيص في النظرِ إِلَى الْمُتَبَرِّجَة؛ لأَنَّهَا قد هتكت حرمتها، وأسقطت مروءتَها.
وأشار بَعْضهم إِلَى أنَّ إباحة النظر إِلَى الْمُتَبَرِّجَات مقيس عَلَى إباحة النظرِ إِلَى العجائز اللاتي لا يَرجون نكاحا، والْجامع بينهما أنَّ النظر إِلَى كُلّ وَاحِدَة منهنَّ لا يفتن، ولا يكاد يُحدث شهوة.
وأشارَ بَعْضهم إِلَى أنَّ الْمُتَبَرِّجَة مَقيسة عَلَى الأمَة؛ لأَنَّ الأمَة لا حرمة لَها، فعورتُها عورة الرجل، وقد أسقطت الْمُتَبَرِّجَة حرمتها، فهي مِثل الأمَة في خِسَّة الْمنزلة.
قال بشير: لا. لعمري، الإماءُ مالٌ، وَأَمَّا الحرائر فغضَّ ما استطعت.
فهَذَا الكَلاَم من أبي الْمنذر -رحمة الله عَلَيهِ- يَدُلُّ عَلَى ثبوت الفرق بين الْمُتَبَرِّجَة والأمَة، فهو اِعتِرَاض عَلَى من قاس الْمُتَبَرِّجَة بالأمَة.
ووجه الاِعتِرَاض: أنَّ الإماء إِنَّمَا أبيح النظر إِلَى أبدانِهن لكونِهن مالاً متصرَّفا فيه، لا لكونِهن مسقطات لِحرمتهنَّ، والحرائر لسن كَذَلِكَ.
وَبالْجُمْلَة: فإنَّ التَّبَرُّج حَرام، والْحرام لا يُبيح ما حرَّم الله من النظرِ الْمحجور، فالْمُتَبَرِّجَات وغَيْر الْمُتَبَرِّجَات مِن النساء سَواء، وعلى كُلِّ مسلم أن يغضَّ نظره عن العورات ما استطاع، ويعفى عَنه من نظره ما ليس يقدر عَلَى كفِّه..