الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٢٥٧وقد يُجَابُ: بِأَنَّهُ وإن كَانَ ذَلِكَ مُختصًّا به فقد عفّ عنه وَلَم يفعله إِلاَّ في مَوضِع يَجُوزُ لغَيْره أن يفعله، كما يرشد إليه حَدِيث خلوته مع بَعْض زوجاته، حَيثُ دعا الرجل الذي رآه معها فأخبره بِأَنَّهَا زوجته، وقد تَقَدَّمَ ذَلِكَ، فهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَخل بامرأة إِلاَّ حَيثُ تَجُوز لغيره الْخلوَة بِها، وَالله أَعلَم.
وسئل أبو سَعِيد عن امرأة قالت لِرجل: ادعُ لِي فلانا. هل له أن يدعوه لَها في ليل كَانَ أو نَهار؟ قَالَ: معي أَنَّهُ إذا كَانَ في الليل فلا يُدعى لَها إِلاَّ الْمأمون، إِلاَّ أن يَكُون يدعى إليها في جَماعة، أو إِلَى مَوضِع لا يلحقها فيه ريب ولا خلوة، وَكَذَلِكَ النهار عِندي مثل الليل في هَذَا، وَالله أَعلَم.
وقال أبو سَعِيد في الأعمى: إِنَّه لاَ يَجُوزُ لَه مساكنة أحد من الْحرم إِلاَّ ذوات /267/ مَحارمه، وإنَّ الأعمى وغَيْر الأعمى في هَذَا سواء إِلاَّ إن فُرض البصر زائل عن الأعمى، وهو أقرب إِلَى السلامة عِندَ الضرورات في مثل هَذَا، ما لَمْ يُخالف الْحَقّ في مساكنة أو دخول بغَيْر إذن، فَإِذَا دخل بإذن وبرئ قلبه من الشهوة جاز له معي الْخلوَة مع الْحرم ما لا يَجُوزُ للذي يبصر؛ لأَنَّهُ مثل من يَكُون وراء حجاب وهو لا يبصر، وقد جاء الأثر بِكراهيَّة الْخلوَة مع غَيْر ذوات الْمحارم إِلاَّ من وراء حجاب، أو من وراء باب لزوال النظر، فهَذَا فرق بزوال النظر، فهَذَا فرق بين الأعمى والبصير في هَذَا، وَالله أَعلَم.
ولقائل أن يَقُول: إنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَد أَمَرَ بَعْضَ أَزوَاجِه أَن يَحتَجِبنَ حِينَ دَخَلَ عَلَيهِنَّ الأَعمَى فَقُلنَ لَه: أولَيس بأعمى يا رَسُول الله؟ قَالَ: «أَوَعَمْيَاوَانِ أَنتُمَا؟»، ففي هَذَا الْحَدِيث ما يَدُلُّ عَلَى أنَّ الأعمى والبصير في هَذَا الْحُكم سواء.