الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٢٩٤وهَذَا كَلاَم يقصد به الْمُبَالَغَة في التنفير من الوقوع في الْمحجور؛ لأَنَّ إرادة حقيقته لا تصحّ لِما فيها من الإياس من روح الله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ، ومثل مُحَمَّد بن إبراهيم لا يَجهل هَذَا الْحُكم، فكَلاَمه -رحمه الله تَعَالَى- مَحمُول عَلَى أحسن الوُجُوه، فإن صحَّ هَذَا عنه فَوجهه مَا ذكرت لك من الْمُبَالَغَة، وَالله أَعلَم.
النوع الثاني: في النميمة:
وهي نقل الكَلاَم أو الفعل عَلَى وجه الإفساد، فيخرج بذَلِكَ ما إذا كَانَ عَلَى غَيْر جهة الإفساد، فَإِنَّه ليس بنميمة بل ذَلِكَ إِمَّا واجب كنقل الْعِلْم الْوَاجِب نقله، وكنقل الْخَبَر لتنجيته النفس الْمحرَّم قتلها. وَإِمَّا مُستَحَبّ كَنقل العلوم الغَيْر الْوَاجِبة، والتحدُّث بالأخبار الْمباحة عِندَ الضيف لتطيب نفسه، وينشرح صدره، وَكَذَلِكَ الرحم ومن يُستَحَبُّ له تطييب خاطره بِما أمكن من الْجائز.
وفي الأثر: رجل سَمع في أخيه الْمسلم كَلاَما يكرهه، هل يَجُوزُ له أن يُخبره به؟ قَالَ: جائز له، ليعرف عدوَّه.
فبقي الْمحرَّم من هَذَا كُلّه وهو النقل عَلَى جهة الإفساد، وهَذَا النوع هو الْمَخصُوص باسم النميمة دون ما عداه، وهي حرام؛ لِقَولِه - صلى الله عليه وسلم - : «مَن اكتَسَى بِرَجُلٍ مُسلِمٍ ثَوبًا فَإنَّ الله يَكسُوهُ مِثلهُ مِن نَارِ جَهَنَّم، ومَن أَكَلَ بِرجُلٍ مُسلِم أُكلَةً فإنَّ الله يُطعِمُه مِثلهَا مِن نَارِ جَهَنَّم، ومَن قَامَ بِرَجلٍ مقَامَ سُمعَةٍ ورِيَاءٍ فإنَّ الله يَقومُ بِه مَقامَ سُمعَة ورِيَاءٍ يَومَ القِيَامَة».
وعنه - صلى الله عليه وسلم - : «لاَ يَدخُلُ الْجَنَّةَ خِبٌّ ولاَ بَخيلٌ ولاَ نَمَّامٌ ولاَ مَنَّان».