معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 1 في الطهارات

الجزء ٢ · صفحة ٣١٦

وعن جابر قَالَ: رأيتُ أبا بكر أكل خبزا ولَحما ثُمَّ أخذ العرق فتَعرَّقه وقام إِلَى الصَّلاَة، فَقَالَ له مولًى: ألاَ تتَوَضَّأ؟ قَالَ: أتَوَضَّأ من الطيِّبات؟

وعن ابن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ يَقُول لِمَن يكره أن يُصَلِّي وقد أكلَ شَيئًا قد مسَّته النار حَتَّى يتَوَضَّأ: كيف تَكرهون وأنتم تتوضَّؤون وتغسلون بالْمَاء الْمطبوخ بالنار؟ وكيف تكرهونَ الطعام ولا تكرهون الْمَاء وكلّه قد أصابته النار؟

وحكي أنَّ رجلا من الفقهاء قال لابن عَبَّاس: كيف لا ترى بشرب اللبن الْْحليب بأسا إذا شَربه الرجل، والله يَقُول: ﴿نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ فَإِنَّه أُخرج من بين الفرث والدم وأنت لاَ ترى عَلَى من شَربه وُضُوءً؟ فَقَالَ /301/ له ابن عَبَّاس: قالَ الله تَعَالَى: ﴿لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾، ألاَ تَرى أَنَّهُ قد خلص ذَلِكَ كُلّه؟!. قَالَ: فسكت الرجل فما استطاع أن يَقُول شَيئًا وأقرَّ له.

وَكَانَ ابن عَبَّاس فيما بلغنا لَمْ ينازعه أحد من الفقهاء في شَيء ففارقه ابن عَبَّاس حَتَّى يُقرَّ له، ويُفلج عَلَيهِ، ويرجع ذَلِكَ عن قوله إِلَى قول ابن عَبَّاس.

فهَذِهِ الأخبار وهذه الآثار ناطقة بِأَنَّهُ لا وُضُوء مِمَّا مسَّت النار، ولا من غَيْره من الطعام.

وَذَهَب بَعْض مُخالفينا إِلَى أَنَّهُ يتَوَضَّأ مِمَّا مسَّت النار، ورووا في ذَلِكَ حَدِيثا عن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - «أَنَّهُ أَمَرَ بالْوُضُوء مِمَّا مسَّتِ النَّارُ»، فإن صحَّ هَذَا الْخَبَر فَإِنَّه يَحتمل أن يَكُون أمرهم بتنظيف أيديهم من الدسم؛ لأَنَّ الْوُضُوء في كَلاَم العرب مَأخوذ من الوضاءة وهي النظافة والْحَسَن، فالْوُضُوء مِمَّا مسَّت النار عَلَى هَذَا هو عِندَنا غسل اليد والفم، وَكَانت العرب لا تغسل منه، وتقول: فَقد الطعام أشدُّ علينا من ريحه.

٥٤٤ / ٣٬٧٥٢