الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٣٣٩فهذه الأَدِلَّة من الكتاب والسنَّة ناطقة بوُجُوب الغُسْل على الْمَرأَة من ذَلِكَ، وهي كما ترى شَاملة لِخُرُوج الْمَنِيّ في اليقظة والْمنام، فَإنَّهُ وإن كانت بَعض الأحاديث إِنَّمَا وردت في الاستحلام، فالْحَدِيث الأخير مِنها عامّ لِخُرُوجِ الْمَاء الدافقِ على أيِّ حالة كان، وكذَلِكَ الآية الكريمة شَاملة لذَلِكَ، ولو لَمْ يكن لنا دليل على ذَلِكَ إِلاَّ أحاديث الاستحلام؛ لَوجب الغُسْل بِمثل ذَلِكَ في اليقظة بطريق الأولى، إذ لا فرق بين خُرُوجه في الْمنام وبين خُرُوجه في اليقظة، بل خُرُوجه في اليقظة أقوى في الشهوة، وأكمل في السبب، فكان أولَى بذَلِكَ الْحُكْم، فمن هنا رجح الْمُصَنِّف وُجُوب الغُسْل عَلَيْهَا، وَاللهُ أَعلَم.
فإن قِيلَ: إنَّ هذه الأَدِلَّة التي ذكرتَها تقطع خلاف الْمخالف، فينبغي ألاَّ يكون في الْمَسأَلة خِلاَف، فَكيف صحَّ لأولئك الأئمَّة الْخِلاَف فيها؟ فَالْجَوَاب: إِنَّمَا صحَّ لَهم الْخِلاَف لأمرين:
أَحَدُهُما: أنَّ الآية وإن كانت عامَّة لِكُلِّ جُنب بطريق الْحُكم الشرعي، فَإنَّهَا نصٌّ في الرجال دون النساء، وهي متأوّلة في النساء.
وَثَانِيهَا: أنَّ الأَحَادِيث آحادية النقل، ويُمكن أَنَّهَا لَمْ تَصحّ عندهم.
وأيضا: فيمكن أن يكون لَهم دليل من السنَّة لَمْ ينقل عنهم.
وَأَمَّا الْحُجَّة التي ذكرتُها لَهم فإنَّما هي أخذا من مفهوم كلامهم، فيحتمل أن يكون لَهم حُجَّة غيرها، فمن ثَمَّ ساغ الاختلاف في الْمَسأَلة، وَاللهُ أَعلَم.
ولَعلَّ حُجَّة من يَذهب إلَى وُجُوب الغُسْل عَلَيْهَا بِما إذا عبث بِها غيرها، أو عبثت بنفسها حَتَّى أنزلت، أنَّ ذَلِكَ مشبه للجِمَاع فيعطى حكمه من وُجُوب الغُسْل.