معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 1 في الطهارات

الجزء ٢ · صفحة ٣٨٢

وهذا كلام من أبي مُحَمَّد في غاية التشنيع عَلَى أبي جابر، وكان الواجب أنَّ عَلَيْهِ أن يُحسن الظنَّ بِمثله لاحتمال أن يكون قد اطَّلع عَلَى ما لَمْ يطَّلع عَلَيْهِ.

نعم. وقد وجدت في الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال: «تَوَضَّؤُوا بِالْمُدِّ، وَاغتَسِلُوا بِالصاعِ»، فما ذكره أبو جابر هو مَعنَى هذه الرواية، وَاللهُ أَعلَم.

قال أبو بكر: إنَّ الإنسان يلزمه أن يعلم أنَّ الصاع يُجزِئ للغسل؛ فإذا كان عنده صاع من ماء كان عَلَيْهِ أن يتعلَّم كيف /339/ يغتسل به، وقال: إِنَّه يَحفظ ذَلِكَ عن الشيخ أبي سعيد -رحمه الله-.

وذهب بعض أَصحَابنَا - واعتمده أبو إسحاق وأبو مُحَمَّد - إلى أنَّ الصاع ليس بِمقدار لأقلّ ما يُجزِئ من الغُسْل، فإذا عمَّ جسده بالغُسْل فقد عمل بِما أمر به ولو بأقلّ من الصاع.

وذهب هؤلاء إِلاَّ أبا مُحَمَّد إلى أن الْمدَّ ليس بِمقدار لأقلّ ما يُجزِئ في الوضوء، بل إذا عمَّم جوارحه أَجزَأَه.

أَمَّا أبو مُحَمَّد فلم أجد له في الْمدِّ مذهبا، لكن يلزمه عَلَى قوله المتقدِّم في الصاع ما صرَّح به غيره في الْمدِّ أيضا؛ إذ لا فرق بين الْمقدارين؛ لأَنَّ الْجَمِيع قد ورد أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد اجتزى به؛ فإذا لَمْ يكن اجتزاؤه - صلى الله عليه وسلم - في الغُسْل بالصاع دليلا عَلَى أنَّ ذَلِكَ أقلّ ما يُجزِئ في الغُسْل، فلا يكون اجتزاؤه بالْمُدِّ دليلا أيضا عَلَى أقلّ ما يُجزِئ في الوضوء، فالْمَعنَى واحد، ولَعلَّ أبا مُحَمَّد يلتزمه لكنِّي لَمْ أجد له في ذَلِكَ كلاما.

واحتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِما روي عن عائشة أَنَّهَا قالت: «اغتسلت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصاع ونصف، يقول: ابقي لِي، وأقول: ابق لِي».

ووجه الاحتِجَاج: أنَّ الْمغتسلين من إناء واحد لاَ بُدَّ أن يفضل أحدهما الآخر بشيء.

٦١٠ / ٣٬٧٥٢