الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٣٨٤وَأَمَّا اختلاف أحوال الناس فلا يوجب ذَلِكَ عذرا أيضا؛ لأَنَّه إذا اغتسل بالصاع عَلَى كَيفِيَّة الاغتسال الْمَأمُور به، وأدَّى ما أمكنه أداؤه بعد أن يتعلَّم كَيفِيَّة ذَلِكَ ويُحسنه فلا شيء عَلَيْهِ فوق ذَلِكَ.
فلو قدَّرنا أنَّ رجلا عظيم الْجثَّة حَتَّى صار بإزاء ثَلاَثة رجال أو أربعة مثلا، فالواجب عَلَيْهِ عند من يرى الصاع مقدار أن يفرغ ذَلِكَ الصاع في جسده عَلَى الكَيفِيَّة الْمَشرُوعة، فإن بقي شيء في جسده لَمْ يصله الْمَاء لقلَّة الْمَاء وعظم جثَّته عذر؛ لأَنَّه لَمْ يقصر في فعل ما أمر به، ولا يكلِّف الله عباده ما لا يطيقون، فحال هذا الرجل كحال من وجد ماء قليلا دون الصاع.
وقد سئل جابر عن مَن معه ماء يسير: كيف يصنع به وقد أصابته جنابة؟ فقال: كان الرجل إذا كان ذَلِكَ غسل مذاكيره، وتَوَضَّأَ وضوء الصلاة، وَاللهُ أَعلَم.
وذهب بعضهم: إلى أَنَّهُ إذا دهن جسده بالْمَاء، وقطر إلى الأرض ثَلاَث قطرات أَجزَأَه. وَقِيلَ: ولو قطرة واحدة أَجزَأَه في الغُسْل. وَحُجَّتهم في ذَلِكَ: ما رُوي «أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - اغتَسَلَ مِن جَنابَةٍ فَرَأى في بَدَنِه لُمعَة لَمْ يُصِبهَا الْمَاءُ فَعَصَر جُمَّتَه ثُمَّ مَسَحَها بِمَا قَطَرَ مِنهَا»؛ فهذا يَدُلُّ عَلَى أنَّ الْماسح يُسَمَّى غاسلا.
فجملة المذاهب في الْمَسأَلة ثَلاَثة:
أحدها: ما اعتمده الْمُصَنِّف، وهو الْمنقول عن أبي سعيد - رضي الله عنه - أنَّ الصاع حدّ لأقلّ ما يُجزِئ من الْمَاء.
قُلتُ: وكذَلِكَ الْمُدّ حدّ لأقلّ ما يُجزِئ من الْمَاء في الوضوء عند بعض أَصحَابنَا، وإن لَمْ ينقل ذَلِكَ عن أبي سعيد -رحمة الله عَلَيْهِ- فقد نقله صاحب الإيضاح.
الْمَذهَب الثاني: ما اعتمده أبو إسحاق، وإليه ذهب أبو مُحَمَّد أنَّ الصاع ليس بِمقدار للغسل، وكذَلِكَ الْمُدّ عند أبي إسحاق وغيره أيضا.