الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٣٩٢قُلتُ: لكن يبحث في تعليل أبي مُحَمَّد بِأَنَّه إِنَّمَا يصحُّ إذا كانت الأمواه الْمتنجِّسة أكثر من الْمَاء الطاهر، فيرد عَلَيْهِ الإشكال الْمتَقَدَّم في تغليب النجس عَلَى الطاهر.
وَأيضًا: فإنَّ ما عَلَيْهِ قواعد الأصحاب من ترك كُلّ مشكوك إِنَّمَا هو في جَمِيع الْمشكوكات، فلا يقصر ذَلِكَ فيما إذا كانت الْمياه الْمتنجسة أكثر، بل سواء في ذَلِكَ كانت كُلّها طاهرة إلا واحدا لا يعرفه، أو نَجسة كُلّها إِلاَّ واحدا لا يعرفه، كما صرَّح به أبو الحواري -رحمة الله عَلَيْهِ-، وَاللهُ أَعلَم.
الْمَذهَب الرابع: أَنَّهُ يَتَطهَّر بالْمَاء الأَوَّل وليتوقَّ ثَوبه أن يَمسَّه ذَلِكَ الْمَاء أو شيء منه، وليقف حَتَّى يَجفَّ الْمَاء عنه ولا يعلق ثوبه مِنه ثُمَّ ليصلِّ، فإذا صَلَّى رجع إلى الْمَاء الثاني فاغتسل منه، وغسل الْمواضع التي أصابَها الْمَاء الأَوَّل، ولا يَمسّ الْمَاء الطاهر بيده قبل أن يغسلها، ثُمَّ يقف حَتَّى يَجفَّ بدنه، ثُمَّ يأخذ ثوبه ويصلِّي، ثُمَّ يرجع إلى الثالث فيغسل به مواضع الْمَاء الثاني، ويتوقَّاه من يده قبل أن يغسلها، ثُمَّ يَتَطهَّر به حَتَّى تصحَّ له الطهارة بواحد منها؛ لأَنَّه لا شكَّ أنَّ أحدها طاهر، فإذا فعل ما ذكر بكل واحد منها فقد أصاب الطاهر بلا شكّ، فيكون قد صَلَّى بطهارة مقطوع بِها.
وهذا إِنَّمَا يصحّ فيما إذا كانت الآنية الْمتنجِّسة أكثر، أَمَّا إذا كان الْمتنجس واحدا فقط فَإنَّهُ إن تَوَضَّأَ بِماءين عَلَى الصفة الْمتَقَدِّمة أَجزَأَه ذَلِكَ إن شاء الله؛ لأَنَّه إن كان قد وافق أحدهما نَجسا فالآخر لا مَحالة طاهر.
وأصحاب هذا القول /345/ يأمرونه بالاغتسال بعد ذَلِكَ متى ما وجد الْمَاء الطاهر؛ لأَنَّه يحتمل أن يكون ما وافقه آخر مَرَّة هو النجس من تلك الْمِيَاه، فتعيَّن عَلَيْهِ الغُسْل من النجس.