الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٣٩٥قال أبو يحيى: قال الكوفيون: يغسل الدم بالْمَاء ويتصعَّد ويصلِّي. قال أبو الحواري: كلاهُما يعجباني.
قال أبو سعيد: ويعجبني غسل الثوب للإجِمَاع عَلَى تَيَمّم البدن، والاختلاف في تَيَمّم الثوب، وَاللهُ أَعلَم.
التنبيه الثامِن: إذا كان عند الْمحدث ماء قَليل لا يُجزِئُه
لِغسل ما أمر بغسله من أعضاء الوضوء، أو من جسده في الْجَنَابَة، ومع ذَلِكَ فلا نَجَاسَة في جسده وجب عَلَيْهِ عندنا أن يستعمل الْمَاء إلى حيث ينتهي، ثُمَّ يتَيَمّم لِما بقي من جوارحه لقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمّمواْ﴾، والواجد للماء القليل واجد للماء، فلا يصحُّ له أن يَستعمل التَّيَمُّم من أَوَّل مَرَّة، بل يَجب عَلَيْهِ أن يستعمله حَتَّى إذا فرغ صار غير واجد للماء، فيجب عَلَيْهِ حينئذ التَّيَمُّم.
وَأيضًا: فقوله - صلى الله عليه وسلم - : «إذَا نَهيتُكُم عَن شَيْء فَانتَهُوا، وإذَا أَمَرتُكُم بِشَيءٍ فَأتُوا مِنهُ مَا استَطعتُم» مُؤكِّد لِما فهمناه من مَعنَى الآية لأَنَّ قوله: «فَأتُوا مِنهُ مَا استَطعتُم» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجب عَلَى الْمكلَّف أن يأتي من الْمَأمُورات ما استطاع، فإذا لَمْ يقدر عَلَى شيء منها سقط عنه ذَلِكَ الذي لَمْ يستطع فعله، وبقي الذي يستطيعه عَلَى حال اللزوم؛ فلا وجه لإسقاطه والعدول عنه إلى غيره.
وذهب بعض مُخالفينا منهم أبو حنيفة وداود إلى أنَّ عَلَيْهِ أن يتَيَمّم ولا يستعمل الْمَاء؛ لأَنَّ الله -جلَّ ذكره- لَمْ يتعبَّد في طهارة واحدة بالْمَاء وبالتَّيَمُّم.
واحتَجُّوا بقول الله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء﴾، إذ الْمُرَاد بالآية: فإن لَمْ تَجدوا ماء تتطهَّرون به، ولا شكَّ أنَّ الْمَاء الْموجود لا يكفي للتطهُّر؛ فسقط الْخطاب بالتَّطَهُّر لتعذّر الْمتطهّر به، ووجب الْمصير إلى التَّيَمُّم؛ لأَنَّ الْمَاء الْمشروط غير موجود.