الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٣٩٤قُلتُ: وهذا التعليل لا يتمُّ عَلَى مذهب أَصحَابنَا؛ لأَنَّ الاستنجاء عندهم فرض كما تَقَدَّم موضّحا بأدلَّته، وَإِنَّمَا يتمّ عَلَى مذهب بعض قومنا القائلين إنَّ الاستنجاء بالْمَاء طهارة النساء، حَتَّى قال مالك: جرَّبناه فوجدناه صالِحا، وقد تَقَدَّم ذَلِكَ كُلّه.
فلو اعتل أبو مُحَمَّد لصاحب هذا القول بأنَّ فرض الوضوء ثابت من كتاب الله تَعَالَى ولَم يُخالف فيه مسلم أبدا، وفرض الاستنجاء قد وقع فيه النزاع بين قومنا، حَتَّى أنَّ بعض أَصحَابنَا لَمْ يوجبه فيما إذا لَمْ يفض الْخارج عن حلقة الثقبين؛ ففرض الوضوء آكد حيث لَمْ يقع فيه نزاع، وحيث إنَّهُ لَمْ يسقط في حال من الأحوال إِلاَّ عند عدم الْمَاء، أو خوف الضرر من استعماله لكان هذا أقوى برهانا وأوضح بيانا، وَاللهُ أَعلَم.
قال أبو مُحَمَّد: والنظر يوجب عِنْدِي أَنَّهُ مُخيَّر في استعماله لأيِّهما /346/ شاء؛ لأَنَّهما فرضان، وإذا لَمْ تقم دلالة عَلَى أحدهما كان مُخيّرا في استعمال الْمَاء لأيِّهما شاء، وَاللهُ أَعلَم.
والذي أوجبه نظر أبي مُحَمَّد مذهب ثالث لَمْ نَجده لغيره ولا بأس به، فالْمقام مَحلّ اجتهاد.
فحاصل المذاهب في الْمَسأَلة ثَلاَثة:
أحدها: غسل النجس من الْجَسَد، سواء كان في موضع الاستنجاء أم لا.
وَثَانِيهَا: الوضوء بالْمَاء بعد أن يزال النجس بِما أمكن من حجارة أو غيرها.
وثالثها: التخيير بين الأمرين، وهو ما انفرد به أبو مُحَمَّد، وَاللهُ أَعلَم.
وهذا الْخِلاَف الْمذكور في تقديم غسل النجس من بدنه عَلَى الوضوء أو الوضوء عَلَى ذَلِكَ، موجود أيضا فيما إذا كانت النَّجَاسَة في ثوبه الذي يصلِّي به وليس معه غيره.
وما أوجبه نظر أبي مُحَمَّد من التخيير هنالك هو بعينه موجود هاهنا، كما صرَّح به في جامعه، وَاللهُ أَعلَم.
وسئل أبو يَحيى بن أبي ميسرة عن رجل معه ماء قليل ومعه ثوب فيه دم وتَحضره الصلاة، قال: يَتَوَضَّأَ بالْمَاء ويدع الدم.