معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 1 في الطهارات

الجزء ٢ · صفحة ٤١٧

وذهب آخرون إلى قليل الْمَاء وكثيره سواء، وحكمه الطهارة فلا يُنجِّسُه إِلاَّ ما غلب عَلَيْهِ من النَّجَاسَة فتغيَّر بِمخالطته، ونسب هذا القول إلى كثير من التابعين، وإلى أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وهاشم بن عبد الله الْخراساني، ونسبه صاحب الإشرَاف إلى جابر بن زيد، وصوَّبه أبو عبد الله وغيره من الْعُلَمَاء عَلَى حسب ما تَقَدَّم.

ثُمَّ اخْتَلَف القائلون بعدم الفرق:

- بعضهم: من كره الْمَاء القليل إذا وقعت فيه النَّجَاسَة ولم تغلب عَلَيْهِ. ولَعلَّ بعضهم لَمْ يكره ذَلِكَ.

- وبعضهم: لَمْ يعتبر في ماء العيون الكثرة إذا كان راكدا، وقال: هو نَجس وإن لَمْ يتغيَّر أحد أوصافه.

واحتَجُّوا بأنَّ الرواية إِنَّمَا وردت في ماء الْمطر خاصَّة، /359/ وذَلِكَ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عَن السباع تَرِد الْحِيَاض وتشرب منها؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - : «إذَا كَانَ الْمَاءُ قَدرَ القُلَّتَينِ لَمْ يَحتَمِل خَبثًا»، أي: فهذه الرواية خَاصَّة بِما عدا ماء العيون، فماء العيون يُنجِّسُه ما وقع فيها عندهم، وإن لَمْ يتغيَّر ماؤها.

وأنت خبير أَنَّهُ لا مَعنَى للفرق بين الْمَاءين؛ فَإنَّهُ وإن وردت الرواية في ماء الأمطار فالمقصود منها التفرقَة بين قليل ذَلِكَ وكثيره، وأنَّ حكم القليل مُخالف لِحكم الكثير في إصابة النجس له، وليس الْمُرَاد تَخصيص ماء الْمطر بذَلِكَ كما يتبادر إليه ذهن كُلّ عاقل، وَاللهُ أَعلَم.

وَأَمَّا القائلون بكراهية الْمَاء القليل إذا أصابته النَّجَاسَة، فَإنَّهُم نظروا إلى تعارض الأَدِلَّة عَلَى حَسب ما سيأتي، وحاولوا الْجمع بينهما، فحملوا أَدِلَّة القائلين بنَجَاسَة الْمَاء القليل إذا أصابه النجس عَلَى الكراهية فقط، جَمعا بينها وبين ما يعارضها، وَاللهُ أَعلَم.

وَأَمَّا القائلون بنَجَاسَة الْمَاء القليل إذا وقعت فيه النَّجَاسَة وإن لَمْ تغيِّره؛ فاحتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بوجوه:

٦٤٥ / ٣٬٧٥٢