الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ٦٧لأَنَّهم مكلَّفون بالأحكام التي كلِّفنا بِها من العبادات وغيرها؛ فيجب أن تتساوى أحكامنا وأحكامهم في الطهارة والنَّجَاسَة، إِلاَّ إذا قام دليل يَخصّ شيئا بعينه فينا أو فيهم، فَأَمَّا حيث لا دليل يقتضي الْخصوصيَّة فالأحكام متساوية، ونَحن حُجَّة عَلَيْهِم في تبليغ شريعة نبيِّنا عَلَيْهِ الصلاة والسلام، وليسوا بِحُجَّة علينا في شيء من ذَلِكَ لعدم تيقُّن الناقل؛ فَإِنَّهُم يتشكَّلون بأشكال متنوِّعة فَرُبَّمَا يتصوَّر أحدهم في شكل الآخر، فتختفي معرفة الضابط منهم من غيره، ولا ندري عدالة العدل منهم؛ فلذا لا تكون فيهم ولاية الأشخاص، بل لا تكون لَهم ولاية إِلاَّ في الْجُملَة أو عَلَى الشريطة.
نعم، يكونون حُجَّة في موضع واحد عَلَى قول لبعض الْمُسلِمِين، وذَلِكَ فيما لا يسع جهله من الأعمال؛ فإنَّ طائفة من الْمُسلِمِين جعلوا الْحُجَّة فيما لا يسع جهله من ذَلِكَ جَمِيع الْمعبرين، وإن كان الْمعبِّر فاسقا أو مشركا مثلا، أو طائرا أو بَهيمة، أو رآه في الْمنام، أو وجده مكتوبا في شيء من الْحجارة أو غيرها إذا وافق الْمعبِّر الْحَقّ؛ لأَنَّ الْحَقَّ بنفسه حُجَّة فلا ينظرون إلى من أدَّاه.
هذا كُلّه عَلَى القول بإمكان رؤية الْجنِّ وهو الصحيح عِنْدِي؛ لأَنَّ سليمان - عليه السلام - رآهم عيانا لا تَخييلا وهو من بني آدم؛ فإذا ثبت ذَلِكَ لَمْ يُمنع أن يراهم غيره، كذَلِكَ؛ لأَنَّ البشرية تشملنا وليس ذَلِكَ من خصوصيَّة ملكه؛ لأَنَّ أهل زمانه الذين يجلسون معه كانوا يرونَهم فيما قيل.
وَأيضًا: فقد قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى جِنِّي فقال: «كُنتُ أُرِيدُ أَن أَربِطَه عَلَى سَارِيَةٍ في الْمَسجِدِ لِتَرَوْهُ فَتذَكَّرتُ قَولَ سُلَيمَان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ﴾ فَأَطلَقْتُهُ» فهذا نصٌّ في إمكان رؤيتهم.