معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 1 في الطهارات

الجزء ٣ · صفحة ٧٠

قال الكرخي: أَمَّا قوله - عز وجل - : ﴿مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ فمعناه: إنَّكم لا ترونَهم في الْجُملَة كما يرى كُلّ واحد منَّا الآخر في أيِّ وقت شاء؛ فلا ينافي رؤيتهم في بعض الأوقات لأفراد من الناس، وهو مَعنَى قول بعضهم، ولا ينافي تلك الآية؛ لأَنَّ الآية إلى الغالب.

والْجَوَاب عن الثاني: أنَّ القول بإمكان رؤيتهم لا يستلزم قدرتهم عَلَى تصوُّرهم بغير صورهم، بل نقول بإمكانِها مع ثبوتِهم عَلَى صورتِهم التي خلقهم الله عَلَيْهَا.

ثُمَّ إنَّ ما مرَّ عن عمر بن الْخطاب من أن لَهم سحرة كسحرتنا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُم يتخيَّلون للناس في صور مُختلفة مع بقاء حقيقتهم عَلَى خِلقتهم الأولى.

والْجَوَاب عن الثالث: أَنَّهُ لا حُجَّة في قول إبليس، ولا يَحتجُّ به مسلم، فلو صحَّ أَنَّهُ صادق فيما أخبر به لكان الْجَوَاب عنه أنَّ ذَلِكَ مَحمول عَلَى الأغلب من أحوالهم، كما حُمل مَعنَى الآية عَلَى ذَلِكَ، وَاللهُ أَعلَم.

وفي الأثر: أنَّ للجنِّ الْمواشي والأموال، وَأَنَّهُم عَلَى فِرَق شتَّى، ومذاهب شتَّى، وأهوية مُختلفة مثل بني آدم، فمنهم القدريَّة ومنهم الْمرجئة والْجبرية والرافِضَة وغير ذَلِكَ من الفرق، ومنهم الْمُؤمِنون مثل بني آدم، ومنهم من سكن الْجبال والأودية والغيران والْخراب والْمواضع الْخالية، ومنهم من يسكن الأرض، ولَعلَّ بعضا بالْهَوَاء فيما قيل، ولَعلَّهم كانوا كذَلِكَ قبل مبعث النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .

وقد اختَلَفُوا في دخولِهم بني آدم:

- فَقِيلَ: يُمكن دخولهم فيهم لقَوْله تَعَالَى: ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.

- وقالَ بَعضُهم: لا يُمكن ذَلِكَ.

ثُمَّ افترق القائلون بإمكانه:

- فمنهم من قال بالإمكان وتوقَّف عن الوقوع.

- وكأنَّ فريقا منهم لَمْ يتوقَّف.

احتَجّ القائلون بالامتناع بوجهين: أَحَدُهُمَا عقلي، والآخر نقلي:

٧٩٨ / ٣٬٧٥٢