الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ٧٥وظاهر كلام بعضهم أَنَّهُ لا ينجس إِلاَّ ما باشر منه النجس، فإنَّ أبا الْحَوَارِي قال في الفاسق يُصافح إنسانا فيه عرف نبيذ ويده عرقة، أو يُحدّثه فطار من فمه بصاق: إنَّ ذَلِكَ ليس بنجس إِلاَّ أن يعلم أَنَّهُ شرب نبيذا حراما، ثُمَّ لَمْ يغسل فاه ولَم يشرب ماء عَلَى أثر النبيذ.
وَأَمَّا اليد إذا عرقت ولَم يعلم أَنَّهَا مسَّت النبيذ فلا بأس بذَلِكَ.
وهذا كُلّه مبنِيّ عَلَى القول بنَجَاسَة الْخَمر، وَأَمَّا عَلَى القول بطهارتِها فلا يكون الشارب له نَجسا عَلَى حال.
وذهب أبو حنيفة وأَصحَابه إلى أنَّ أعضاء الْمُحدِث نَجسة نَجَاسَة حكميَّة، وبنوا عَلَيْهِ أنَّ الْمَاء الْمُستَعمل في الْوضُوء والْجنَابَة نَجس. ثُمَّ روى أبو يوسف: أَنَّهُ نَجس نَجَاسَة خفيفة. وروى الْحَسَن بن زياد: أَنَّهُ نَجس نَجَاسَة غليظة. وروى مُحَمَّد بن الْحَسَن: أنَّ ذَلِكَ الْمَاء طاهر.
واحتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بأنَّ الْوضُوء يُسَمَّى طهارة، قالوا: والطهارة لا تكون إِلاَّ بعد سبق النَّجَاسَة.
وردَّ بأنَّ الطهارة قد تستعمل في إزالة الأوزار والآثام، قال الله تَعَالَى في صفة أهل البيت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ، ولَيست هذه الطهارة إلاَّ عن الآثام والأوزار.
وقال تَعَالَى في صفة مريَم: ﴿إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾، والْمُرَاد تَطهيرها عن التُّهمَة الفاسدة.