الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ١٠٠والْجَوَاب: أنَّ هذه الأقوال كُلّها احتمالات لَمْ يقم عَلَى شيء منها دليل، وظاهر الكتاب قاض بِخِلاَف ذَلِكَ، ولا يكفي دليلا ما قاله أبو مُحَمَّد وغيره من أَنَّهُ لو كانت العين نَجسة لَما تبدَّل ذَلِكَ بالإسلام؛ لأَنَّا نقول: إنَّ تَحوُّل تلك الذات من النَّجَاسَة إلى الطهارة بتحوُّل الأحوال ليس بأشدّ من تَحوُّل العلَقَة جسدا طاهرا، والعلَقَة نَجسة بلا خِلاَف، والْجَسَد الْمتحوّل إليه طاهر بلا خِلاَف، والذات واحدة ولكن اخْتَلَفت أحوالُها، وَاللهُ أَعلَم.
وَأيضًا: فهو قياس في معرض النصِّ فلا يقبل.
احتَجّ من قال بطهارة أعيانِهم: بِما روي «أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - شَرِبَ مِن أَوَانِيهِم»، وبِما تَقَدَّم من أَنَّهُ لو كان جِسمه نَجسا لَمْ يتبدَّل ذَلِكَ بسبب الإسلام.
والْجَوَاب عن الوجه الثاني: ما تَقَدَّم.
وَأَمَّا عن الوجه الأَوَّل: فهو أنَّ القرآن أقوى من خبر الواحد.
وَأيضًا: فتقرير صحَّة الْخبر يَحتمل أن يكون حِلُّ الشراب من أوانيهم كان مُتَقَدّما عَلَى نزول هذه الآية، وهو الظاهر لوجهين:
الأَوَّل: أنَّ "بَراءة" من آخر ما نزل من القرآن. /466/ وَأيضًا: كانت الْمُخالِطة مع الكفَّار جَائزة فحرَّمها الله تَعَالَى، وكانت الْمعاهدات معهم حاصلة فأزالَها الله. فلا يبعد أن يقال أيضا: الشرب من أوانيهم كان جائزا فحرَّمه الله تَعَالَى.
الثاني: أنَّ الأصل حِلُّ الشرب من أيِّ إناء كان، فلو قُلنَا: إِنَّه حرِّم بِحكم الآية ثُمَّ أحِلَّ بِحكم الْخبر فقد حصل نسخان.
أَمَّا إذا قُلنَا: إِنَّه كان حلالا بِحكم الأصل، والرسول شرب من آنيتهم بِحكم الأصل، ثُمَّ جاء التَحرِيم بِحكم هذه الآية لَمْ يَحصل النسخ إِلاَّ مَرَّة واحدة؛ فوجب أن يكون هذا أولى من أهل الكتاب.