الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ٩٩وقال الْحَسَن بن صالح والْحَسَن البصري: من مسَّ مشركا أو صافحه فليتَوَضَّأ ولو كانا يابسين، وهو مذهب الزيدية.
وذهب أكثر قومنا وبعض أَصحَابنَا إلى طهارة أبدان الْمُشرِكين، بل حكى الفخر اتِّفَاق الفقهاء عَلَى ذَلِكَ، وإليه يَميل أبو مُحَمَّد.
وعن الفضل بن الْحَوَارِي أَنَّهُ دخل عَلَى زياد بن الوضَّاح ومعه مَجوسي يأكل معه.
احتَجّ القائلون بنَجَاسَة أعيانِهم بظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾.
قال القطب: أرادَ عبدة الأصنام، وغالب آيات القرآن يكون الْمُشرِكون فيه غير أهل الكتاب، كقوله: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾.
وَقِيلَ: أراد أصناف الكفَّار مطلقا: عبدة الأصنام واليهود والنصارى والصابئين والْمَجُوس.
قال الفخر: ظاهر القرآن يَدُلُّ عَلَى كونِهم أنجاسا، فلا يرجع عنه إِلاَّ بدليل منفصل، قال: ولا يُمكن ادِّعاء الإجِمَاع فيه لِما بيَّنا أنَّ الاختلاف فيه حاصل.
وَأُجِيب: بأنَّ الآية ليست عَلَى ظاهرها؛ لأَنَّها لو كانت أعيانُهم نَجسة فلا تزول النَّجَاسَة ما كانت العين موجودة، كالدم والبول والعذرة، وهؤلاء تزول نَجاستهم بتحوُّلِهم إلى الإسلام إجِمَاعا، فيجب صرف مَعنَى الآية عن الظاهر، فيتأولُّ بِأَنَّهم إِنَّمَا سُمُّوا نَجسا؛ لأَنَّهم لا يَغتسلون من الْجَنَابَة، ولا يتوضَّؤون من الْحَدَث. كما يروى عن قتادة قال: قتادة ومعمر بن راشد: سُمُّوا نَجسا؛ لأَنَّهم يُجنبون ولا يغتسلون، وإن اغتسلوا لَمْ يُجزهم.
أو الْمُرَاد من الآية أَنَّهُم بِمنزلة الشيء النجس في وُجُوب النفرة عنه.
أو الْمُرَاد أنَّ كفرهم الذي هو صفة لَهم بِمنزلة النَّجَاسَة الْملتصقة بالشيء.
أو الْمُرَاد الشتم لَهم، كما سَمَّاهم قردة وخنازير، وليسوا هم في الْحقيقة قردة ولا خنازير.
أو الْمُرَاد بنجاستهم خبث باطنهم بالشرك، وسائر الاعتقادات الفاسدة.