الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ١٠٥وَأَمَّا /468/ القول الثاني: فَإنَّهُ نظر إلى أنَّ الصبغ قد تنجَّست ذاته بِمخالطة النجس له، فما دام عين الصبغ قائما فالنَّجَاسَة قائمة.
ولنا أن نقول: إنَّ ذات الصبغ لَمْ تكن نَجسة لذاتِها، وَإِنَّمَا تنجَّست لِشيء فيها، وذَلِكَ يكفي في تطهيره أن يبلغ الْمَاء مبلغ النجس، وَاللهُ أَعلَم.
ومن ذَلِكَ ما قاله مُحَمَّد بن مَحْبُوب -رحمهما الله-: إِنَّه لَمْ يعلم أنَّ أحدا أجاز أن يضع الْمُسلِم والذمي يده في إناء واحد. وقد جاء الأثر: أنَّ الذمي إذا صافح الْمُسلِم بيده ويد أَحَدِهِمَا رطبة فإنَّ وضوء الْمُسلِم ينتقض.
قال -ولَعلَّه ابن مَحْبُوب-: وكلُّ بئر استقى منها ذمِّي بدلوه، أو مسَّ ماءها بيده أو دلوه، ثُمَّ رجع ما مسّه من مائها فيها فإنَّ ذَلِكَ يفسدها حَتَّى تنزح، إِلاَّ أَن تكون بَحرا لا تنزحها الدلاء فتلك لا يُنجِّسُها شيء.
قال: ومن أراد أن يَستقي منهم من بئر فلا يَمسّ دلوها ولا ماءها، ويستقي له أحد من أهل الصلاة، ويصبّ له الْمَاء ولا يَمسّه الذمي إِلاَّ أن يكون في سفر وجد ضرورة، ولا يقدر عَلَى أحد من أهل الصلاة يستقي له فَإنَّهُ لا يُمنع ولا يُحال بينه وبين الْمَاء.
فَأَمَّا في موضع يَقدر عَلَى ذَلِكَ فلا يُرخَّص لَهم يُنجِّسُون عَلَى الْمُسلِمين مواردهم، ولكن يُؤمرون أن يَحفروا بئرا لأَنفسهم.
وهذا كُلّه مبنِيّ عَلَى القول بنَجَاسَة رطوباتِهم، وَلاَ بُدَّ من جواز ذَلِكَ عَلَى القولِ بِطهارتِها، وَاللهُ أَعلَم.
ومن أجاز رطوبات أهل الكتاب أَجاز شراء الدواء من عندهم، ومن لَمْ يُجزها لَمْ يُجز ذَلِكَ. وكذَلِكَ لَمْ يُجز أن يكنز اليهودي التمر للمسلم؛ فإنَّ كنز له جرابا أفسده عند هذا القائل.
وَقِيلَ: لا بأس بشراء الْجِرَب الْمكنوزة من التمر من اليهودي، ما لَمْ يعلم أَنَّهُم مسُّوا ما فيها من التمر بأيديهم وثيابهم.