الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ١٥٩فَأَمَّا القائلون بعدم الانتظار فَإنَّهُم نظروا إلى أن العبادات قد ثبتت عَلَى هذه الْمَرْأَة بيقين، فلا يصحُّ لَها أن تترك ما تيقَّنَت بوجوبه عَلَيهَا بنفس الدم الْمشتبه عَلَيهَا، بل يَجب عَلَيهَا أن تَجْرِي عَلَى عادتها في الْحَيْض ثُمَّ تغتسل وتؤدِّي ما وجب عَلَيهَا.
وَأيضًا: فقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال لأم حبيبة حين استحيضت: «انْتَظِرِي أَيَّام أَقْرَائِكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي، فَإِذَا رَأَيْتِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ تَوَضَّئِي وَصَلِّي /26/ وَلَوْ قَطَرَ عَلَى الْحَصِيِر». فهذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تنتظر أَيَّام أقرائها فقط وهو وقت حيضها، وَلَمْ يأمرها - صلى الله عليه وسلم - أن تزيد عَلَى ذلك.
قال ابن بركة: لا تَخلو الْمنتظرة بعد انقضاء أَيَّام حيضها من أن تكون حائضا أو مستحاضة، فإن كَانَتْ حَائِضًا فلا معنى لتحديد العدة لَها بالأَيَّام الْمتقدِّمة، وإن كَانَتْ مستحاضة فلا معنى لتركها الصَّلاَة.
وَأَمَّا القائلون بثبوت الانتظار، فَإنَّهُم احتجُّوا بِحديث يُروى عن طريق جابر بن زيد قال: بَلغني أنَّ امرأة تُسَمَّى أسماء الْحارثية كَانَتْ مُستحاضة، فجاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألته عن أمرها، فقال لَها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «اقْعُدِي أَيَّامكِ التي كنتِ تَحِيضينَ فيها، فإنْ دامَ بكِ الدّمُ فاسْتَظهرِي بثَلاَثَة أَيَّام ثُمَّ اغتَسلِي وصلِّي».
وهذا الْحَدِيث عَلَى تقدير صحَّته فهو مثبت للانتظار بثَلاَثَة أَيَّام، فلا وجه للتحديد باليوم واليومين، إِلاَّ أن يكون لَهم دَلِيل آخر عَلَى ذلك التحديد.
وما قِيلَ: إن ذلك مَبنِيّ عَلَى الْخِلاَف في أَقَلّ الْحَيْض فمردود؛ لأَنَّ الْخِلاَف في ذلك إِنَّمَا يُتصوَّر في أوّل الْحَيْضة لا في آخرها، فمُدَّة الانتظار زيادة عَلَى الْحَيْض لا حيض بنفسه، وَاللهُ أَعلَم.