الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ٢٠٩على أن مشهور الْمَذْهَب أن أَقَلّ الْحَيْض ثَلاَثَة أَيَّام، وعَلَيهِ فيجب عَلَى من قال بثبوت البدل عَلَيهَا أن لا يأمرها ببدل ثَلاَثَة أَيَّام من أَوَّل حيضها. وَأيضًا: فإن التحديد بأَقَلّ الْحَيْض إِنَّمَا هو كشفٌ للدم الذي لا يبقى إلى تلك الْمُدَّة التي هي أَقَلّ مُدَّة الْحَيْض، لا كشفٌ لأَكْثَره.
بيان ذلك: أن القائلين بِأَنَّ أَقَلّ الْحَيْض ثَلاَثَة أَيَّام يجعلون ما دون ذلك ليس بِحَيض، فالدم الذي يبقى يَوْمًا أو يومين ليس بِحَيض عندهم. وليس الْمُرَاد بالتحديد في الأَقَلّ أن الدم إذا زاد عَلَى الثلاث لا يكون حَيضًا، بل هم مُتَّفِقُون أن الْحَيْض يزيد عَلَى الثلاث، فإذا زاد الدم عَلَى الثلاث احتمل أن يكون حَيضًا وأن يكون عِلَّة، وكذلك فيما دون الثلاث أيضا، والأصل في النِّسَاء ذوات الدماء الْحَيْض، لا الاستحاضةُ، وَاللهُ أَعلَم.
ويدلُّ عَلَى ذلك ما قاله ابن بركة /73/ في هذه الْمَسْأَلَة: "إن الله تَعَالَى فطرَ النِّسَاء عَلَى أن يَحضن إذا لم تكن بِهنَّ آفة تَمنعهنّ من ذلك، ولم يطبعهن أن يستحضن، فكلّ دم ظهر من امرأة يَجُوز أن تَحِيض مثلها فهو حيض حَتَّى يُعلم أَنَّهُ إِنَّمَا ظهر لعِلَّة حدثت به، وَإِلاَّ فهي أبدا مَحكوم لها بِحكم السَّلاَمة ما لَمْ تَعلم أن بِها آفة"، وهذا كما ترى مناقض لِما أوجبه نظره من إعادة صلاتها.
أجاب ابن بركة: بِأَنَّها لَمَّا جَاوزت خَمْسَة عشر يَوْمًا علمنا يقيناً أن علَّتها قد حدثت، وأن الْحَيْضة قد انقطعت باتِّفَاق الْعُلَمَاء عَلَى ذلك، لقول النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : «إنَّهُ دمُ عِرْقٍ».
قُلنا: العلم بذلك لا يوجب إعادتها لشَيْء من صلاتها الْمُتَقَدَّمة، بل غاية ما فيه أَنَّهَا تكون بعد ذلك الوقت مستحاضة لا حَائِضًا، وهذا مسلم كما ترى، وَاللهُ أَعلَم.