[سورة الإسراء — آية 60]
﴿ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ ﴾ واذكر إِذ قلنا لك بالوحى ، أو بواسطة جبريل عليه السلام .
﴿ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ﴾ علماً وقدرة لا يخرجون عما أراد ، ولا يعجزه شئ فبلِّغهم ما أوحى إليك ، ولا تخف؛ إن الله يعصمك من القتل ، ولو كانوا يؤذونك بألسنتهم ، والناس عام دخل فيه قريش ، أو أريد به خاص ، لأنهم المعاندون جدا الحاضرون أو أحاط بقريش أهلكهم يوم بدر ، أى سيهلكهم يوم بدر ، والآية مكية ، وذكر ذلك بالماضى لتحقيق الوقوع بعد ، كأنه وقع من قولك أحاط بهم العدو ، وكقوله تعالى : ﴿ وأحيط بثمره ﴾ وهذا تبشير له صلى الله عليه وسلم .
﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ ﴾ فى المنام ، احتج بهذا مَن قال الإسراء فى المنام ، لا فى اليقظة ، وهو مذهب أصحابنا ، وقوم من غيرهم ، وقيل : اليقظة لمبالغة الكفار فى التكذيب ، ولو كان فى النوم لم يبالغوا تلك المبالغة ، وإطلاق الرؤيا على رؤية اليقظة وارد فى لغة العرب قال الراعى :
وكبر للرؤيا وهش فؤاده … بوبش عظيم كان جمائلا
وأيضا سماها رؤيا مشاكلة لتسميتهم إياها رؤيا وجرياناً على زعمهم كما سمى الأصنام آلهة ، وأيضاً يشبه ما فى المنام لكونه ليلا ، وللسرعة ، وخرق العادة حتى قال بعض مَن ضعف إيمانه للنبى صلى الله عليه وسلم : لعل ذلك يا رسول الله فى النوم ، وحتى ارتد بعض من ضعف إِيمانه .
وقال بعض من قال الإسراء فى اليقظة أن الرؤيا هنا غير رؤية الإسراء ، بل رؤياه فى المنام عام الحديبية دخل مكة ، واعترض بأن الآية مكية والحديبية بعد الهجرة ، وأجيب بأنه رأى فى مكة أنه سيدخلها بعد الخروج عنها ، فحكى الرؤيا فى الحديبية ، ولم يدخلوها للعمرة التى قصدوها ، بل رجعوا على أن يدخلوها من قابل ، فافتتن بعض حتى قال عمر لأبى بكر رضى الله عنهما : قد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ندخل البيت ونطوف به ، فقال أبو بكر : لم يقل ندخله فى هذا العام وسندخل فى عام آخر ، ودخله من قال ، ونزل : ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ وقيل : هذه الرؤيا التى فى سورة الإسراء رآها فى مكة فى شأن وقعة بدر أنها تقع بعد الهجرة ، وسمع قريش ذلك فسخروا منه .
ويجوز أن يكون رأى فى المنام مصارع المشركين ، وهو فى بدر أو قريب منه ، فسمع المشركون الخارجون من مكة للقتال ، فسخروا منه ، قال : « ولله لكأنى أنظر إلى مصارع المشركين ، هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان » ولم يخطئ . وفى وقعة بدر نزل : ﴿ إذ يريكهم الله فى منامك قليلا ﴾ وقيل : هذه الرؤيا فى سورة الإسراء ، هى أنه رأى فى نومه قومًا من بنى أمية يرقون على منبره وينزون عليه نزو القردة فقال :
« هو حظهم فى الدنيا يعطونه على إسلامهم » ﴿ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ ﴾ هى تكذيبهم بالإسراء ، حتى ارتد كثير من الناس أو قولهم : وُعدنا بالدخول ولم ندخل ، وهذا فى شأن الحديبية ، وتساخرهم بقوله : هذا مصرع فلان ، وهذا مصرع فلان ، وهذا فى شأن قتلى الكفار فى بدر ، وقتال معاوية عليًّا ، وقتل الحسين وعمار ، ووقعة الحرة ، وهذا فى غزو بنى أمية على المنبر فى الرؤيا .
﴿ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِى الْقُرْآنِ ﴾ عطف على الرؤيا ، أى وما جعلنا الرؤيا التى أريناك ، والشجرة الملعونة فى القرآن إِلا فتنة للناس ، وهى شجرة الزقوم ، لعنت فى قوله تعالى : ﴿ إِن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ إِلخ فلعنها إبعادها عن مقام الخير وأهله ، وإنباتها فى مقام الشر لأهله .
ويجوز أن يراد الملعون أهلها ، فحذف المضاف أو ذاك من المجاز العقلى ، وتقول العرب لكل طعام مكروه ضار : إِنه ملعون لكونه ضارًّا مكروهًا ، فيكون المراد بلعنها أنها طعام مكروه ، ووصفت بالملعونة لتشبيه طلعها برءوس الشياطين ، والشياطين ملعونون .
ومعنى الفتن بها أنه لما سمع الكفار ذلك قالوا : إن محمداً يزعم أن الحجيم تحرق الحجارة ، ثم يقول ينبت فيها الشجر ، وما نعرف الزقوم إِلا التمر بالزبد ، قال أبو حهل - لعنه الله - : يا جارية زقمينا ، فأحضرتهما ، فقال لأصحابه : تزقموا هذا هو ما يذكر محمد ، ولم يعلموا أن الله قادر على ذلك ، وأن الله أبرد النار على إبراهيم ولباسه الإكتافة ، وأنبت النبات فى تنور موسى المحمى ، وفى بلاد الترك دابة صغيرة تسمى السمندل لا تؤثر فيها النار حية أو ميتة ، ويتخذ من وبرها مناديل ، فإذا اتسخت ألقيت فى النار فيذهب الوسخ فتبقى سالمة . ويقال : فى بلاد الهند مكان بلاد الترك ، ويقال : طائر مكان دابة ، ويقال : السمندر بالراء مكان اللام ، والتعامة تبلغ الجمر وقطع الحديد المحماة ولا تضرها ، ولم يعلموا أن نبات النار من جنس النار ، والنار لا تحرق النار .
ومما يشبه ذلك أن البحر المالح ينبت حجارة المرجان ، واللحم والدم ينبتان الشعر ، وقيل : الشجرة الملعونة الشيطان ، وأبو جهل فرعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والحَكم وأبوه أبو العاصى الحَكم ، قالت عائشة رضى الله عنها : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لمروان : ﴿ الشجرة الملعونة أبوك وجدُّك ﴾ فهؤلاء لعنوا فى عموم ذم الكفار فى القرآن . وعن ابن عباس : أن الشجرة بنو أمية بن الحَكم بن أبى العاصى ، وأنه صلى الله عليه وسلم رأى فى المنام بنى مروان يتداولون مقبره ، وقصها على أبى بكر وعمر فى خلوة بيت ، ثم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحَكم يخبر بها ، فاشتد عليه ذلك واتهم عمر بالإفشاء ، ثم ظهر أن الحَكم تسمَّع إليهم ، واعترض بأن الرؤيا بالمدينة ، والسورة مكية والحكم فيها .
وروى أن عائشة قالت لمروان : لعن الله أباك وأنت فى صلبه فأنت أبغض مَن لعنه الله ، والفتنة على هذا أنهم طلبوا معجزة قاهرة ، فأجيبوا بأنه تعالى لم يقضها لهم ليتم أمر النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، فلا يستأصلوا فقالوا : إنه صلى الله عليه وسلم غير صادق ، فضاق قلبه وسلاّه بالآية ، وأنه لا يضعف أمرك بقولهم .
﴿ وَتُخَوِّفُهُمْ ﴾ من عقاب الله فى الدنيا والآخرة بالآيات المتلوَّات ، والمعجزات ، والآيات متضمنة لشجرة الزقوم ، ولم يقل : وخوفناهم لإفادة التكرار .
﴿ فَمَا يَزِيدُهُمْ ﴾ أى التخويف ﴿ إِلاّ طُغْيَانًا كَبِيرًا ﴾ طغيانًا مجاوزاً للحد .