[سورة الإسراء — آية 97]
وليس من القول قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ يَهْدِ اللهُ ﴾ إلى الحق ﴿ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ﴾ إليه أو إلى ما يطلبه لقوله عز وجل : ﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ ﴾ يخلق فيه الضلال باختياره لا إجباراً ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ يهدونهم إلى طريق الحق ، أو طريق يوصلهم إلى طريق الحق أو طريق يوصلهم إلى ما يصلح من الدنيا أو الدين ، أو طريق النجاة مما أوجبه ضلالهم .
﴿ مِنْ دُونِهِ ﴾ وكان من القول قوله ومن يهد الله إلخ لقال فلن أجد لكم ، بخلاف إذا جعل من يضلل غلخ غير داخل ، وفى فهو المهتد مراعاة لفظ من ، ومناسبة إفراد التوحيد وهو الهدى ، وفى لهم مراعاة معناها مناسبة لتشنيع طرف الضلال ، كما قال الله عز وجل : ﴿ ولا تتبعوا السُّبُل ﴾ إلخ والآية من مقابلة أفراد جمع بأَفراد جمع ، بمعنى لن تجد لواحد وليًّا ، وزعم بعض أن المعنى لا تجد لواحد واحد ، جماعة جماعة تنفعه لو وجد لواحد جماعة لم تنفعه ، فكيف ينفعه ولى واحد ، ولا ولى لواحج أو لا أولياء .
﴿ وَنَحْشُرُهُمْ ﴾ على طريق الالتفات من الغيبة فى قوله : ﴿ ومن يضلل ﴾ إِذا لم يدخل فى القول إلى التكلم فى نحشرهم ﴿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ﴾ متعلق بحال محذوفة جوازاً أو من ضمير تحشر ، أى ساحبين ، أو من الهاء أى مسحوبين ، أو مفعول مطلق لتضمين نحشر معنى السحب ، أو الإمشاء أى سحبًا منَّا عليها ، أو إمشاء لهم عليها كما قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف يمشون على وجوههم؟ قال : « إن الذى أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم » رواه البخارى ومسلم عن أنس ، ومثله للترمذى عن أبى هريرة .
وروى الترمذى عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم : « يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف : صنف مشاة ، وصنف ركبان ، وصنف على وجوههم » ، فقيل : إِما أنهم يلقون بوجوههم كل حدب وشوك ، ولم يجبه تلويحاً بأنهم أهل لذلك التعذيب بالحدب والشوك ، أو ردًّا عليه بأن الأرض يومئذ مستوية لا حدب ولا شجرة ، والله أعلم .
ولعل الاستواء وعدم السوك فى حق غيرهم . وعن أبى ذر فى هذه الآية عنه صلى الله عليه وسلم : « إن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج : فوج طاعمين كاسين راكبين ، وفوج يمشون ويسعون ، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم » رواه أحمد والنسائى والحاكم ، وأخرج أحمد والنسائى والترمذى عن معاوية بن حيدرة عنه صلى الله عليه وسلم : « إنكم تحشرون رجالا وركبانًا وتجرون على وجوهكم » والخطاب للناس عموماً فالجر لكفارهم .
﴿ عُمْيًا ﴾ من قبورهم ﴿ وَبُكْمًا ﴾ لا يقدرون على الكلام ﴿ وَصُمًّا ﴾ لا يسمعون ، وإِذا وصلوا المحشر أبصروا وتكلموا وسمعوا ، كذا قيل ، وبشكل عليه قولهم :
﴿ مَن بعثنا من مرقدنا ﴾ فهذا تكلم فيجاب بأنهم إذا خرجوا تكلموا ، ثم يخرجون من عند القبور إِلى المحشر ، وكل من قوله تعالى : ﴿ ورأى المجرمون النار ﴾ و ﴿ سمعوا لها تغيُّظًا ﴾ و ﴿ تجادل عن نفسها ﴾ ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ ﴿ ويقرءون كتابهم ﴾ ونحو ذلك ، إنما هو فى المحشر ، أو المراد نحشرهم عميًا إلخ من المحشر إلى النار ، أو المراد حين يقال لهم : ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلِّمون ﴾ ، وعليه فالحال مقدرة أو المراد لا يبصرون ما يسرهم ، ولا يسمعون ما يلذهم ، ولا يتكلمون باعتذار مقبول كما لم يستبصروا فى الحياة بالآيات ، ولم يستمعوا لها ، ولم ينطقوا بالصدق .
والترتيب فى الآية لأن آفة السمع أشد من آفة البكم ، وآفة اللسان أشد من آفة البصر ، وآية سورة البقرة على التنزل ، ووسط البكم فيهما لأنه لازم للصمم ، فلا يفارقه فى الذكر ، والنصب على الحال عطفا عى الحال السابقة ، أو على الحال من الضمير فى مسحوبين على وجوههم المستتر أو فى كائنين إن قدر كونا عاما ، فيجب الحذف ، أى كائنين على وجوههم .
﴿ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ النار لقوله : ﴿ كُلّمَا خَبَتْ ﴾ سكن لهيبها ، والموضع لا يلتهب ، بل ناره أو جهنم الموضع وضمير خبت للنار المدلول عليها بالموضع ، أو أسند ذلك للموضع تجوُّزاً للحلول ، والمراد بخبت خبوها لإتيانها على كل لحومهم وعظامهم وأبعاضهم ولم تنقطع ، إذ لا يخفف عنهم العذاب تجدد أجسامهم قبل خبوها ، وجملة ﴿ مأواهم جهنم ﴾ مستانفة أو حال من هاء نحشرهم ، لا من هاء وجوههم ، وكل ظرف لإضافته إلى مصدر نائب عن الزمان ، إذ ما مصدرية والمصدر الخبو ، كأنه قال كل خبوها أى كل وقت خبوها متعلق بقوله :
﴿ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ﴾ مصدر أى سعرا أو لا يزال عذابهم يزداد شدة ، أو المراد بالزيادة الإتيان بمثل ما مضى ، وذلك كما كانوا يعقبون كل تذكير بإنكاره أو اسم مفعول ، أى ناراً مسعورة ، ولم يؤنث لظهور أن المراد المؤنث وهو فعيل بمعنى مفعول ، وإذا دل على الأنثى دليل قيل كحيل أو مكحولة ، كما تقول جاءت كحيل .