[سورة الفرقان — آية 3]
﴿ واتَّخذوا ﴾ أى المشركون من الأمة الأمم ، أو المعهودون من الأمة ، وعلى كل حال دل عليهم بالاتخاذ للآلهة ، ولو لم يجر لهم ذكر كما لو قيل : يأخذون الأجرة على الحجامة ، لعلم أن المراد الحجامون ، ولو لم يجر لهم ذكر ، ولا سيما أنه ناسب المشكرين قوله : ﴿ ولم يكن له شريك ﴾ وقوله : ﴿ نذيرا ﴾ ودخولهم فى العالمين ﴿ من دونه آلهة ﴾ أصناماً أو ملائكة أو آدميين ﴿ لا يخْلقُون ﴾ نعت آلهة ﴿ شيئاً ﴾ ما ولو فى غاية الحقارة ، فكيف يكون إلهاً ما لا يخلق ، بل هو مخلوق كما قال :
﴿ وهم يُخْلَقُون ﴾ خلقهم الله عز وجل ، فالمضارع لاستخضار الحال الماضية ، لتكون كالمشاهد ، أو يخلقها شيئا فشيئا فالمضارع للتجدد ، فشمل المضى ، وفى المضارع مشاكلة للمضارع قبله ، والخلق فى القرآن والسنة ، وسائر الشرع الايجاد بعد العدم لا بمعنى التصوير إلا لدليل ، والمعنى هنا قابل للتصوير ، وما كان من تصوير البشر لا يكون إلهاً ، فكذا غير البشر ، مع أن فعل النجار والصانع وما صوراه ، وأشكاله مخلوقة لله سبحانه ، ومع أن الذين أنذرهم النبى صلى الله عليه وسلم ينحتون الأصنام ، وصيغة العقلاء فى قوله : ﴿ وهم ﴾ وفى ﴿ لا يخلقون ﴾ ويخلقون مجاراة للمشركين فى جعلهم الأصنام عقلاء ، أو كالعقلاء ، على أن المراد بالآلهة الأصنام ، وللتغليب على أن المراد أعم ، وكذا فى قوله :
﴿ ولا يمْلكونَ لأنفُسهم ضراً ولا نفعاً ولا يمْلكونَ ﴾ لأنفسهم ولا لغيرهم ﴿ موتا ولا حياة ولا نُشوراً ﴾ بعثا ، وإذا لم يملكوا لأنفسهم فأولى أن لا يملكوا لغيرهم ، والمراد دفع ضر ، وجلب نفع فحذف المضافان ، ولا يخفى ان طلب السلامة مقدم على طلب الفائدة ، مقدم دفع الضر ، كما شهر أن التخلى قبل التحلى ، وما قضى الله عز وجل جرى عليهم بكسب أو بغيره ، ولا سيما الأصنام التى لا قدرة لها على شىء ، بخلاف البهائم ، فإنها تدفع الضر ، وتجلب النفع بإذن الله وخلقه ، وما يشاء من ذلك الدفع والجلب .