[سورة النور — آية 36]
﴿ فى بيوتٍ أذنَ الله أن تُرفَع ويُذكر فيها اسمُه يسبِّح له فيها بالغُدو والآصال رجالٌ ﴾ فى بيوت نعت لمشكاةٍ ، أو من باب الاشتغال ، والاشتغال أبداً من باب التوكيد ، أى يسبح فى بيوت ، والشاغل ها من قوله : ﴿ فيها ﴾ كقولك : فى الدار جلست فيها ، وبزيد مررت به ، وذلك من تأكيد الحدث ، وإن أريد تأكيد غيره جعلنا فى بيوت متعلقاً بيسبح المذكور ، وفيها توكيداً لقوله : ﴿ فى بيوت ﴾ وفى المثال تعلق بزيد بمررت المذكور ، ونجعل به تأكيداً لزيد ، ولا يعترض بأن الضمير ضعيف لا يؤكد الأقوى ، لأنا نقول باب التوكيد أوسع ، يصدق بذكر أدنى شىء ، يستغنى عنه ، بل التوكيد والمؤكد الجار والمجرور لا المجرور وحده ، ولا نتوهم أن الحرف ومجروره بدل من الحرف ومجروره ، بل تأكيد ، كقولك : فى الدار فى الدار ، وبزيد بزيد ، لأن الضمير بمنزلة مرجعه ، ولا تقلد ما يخالف ذلك ، ويبعد تعليقه بيوقد . بذكر أدنى شىء ، يستغنى عنه ، بل التوكيد والمؤكد الجار والمجرور لا المجرور وحده ، ولا تتوهم أن الحرف ومجروره بدل من الحرف ومجروره ، بل تأكيد ، كقولك : فى الدار فى الدار ، وبزيد بزيد ، لأن الضمير بمنزلة مرجعه ، ولا تقلد ما يخالق ذلك ويبعد تعليقه بيوقد .
والمراد ببيوت بيوت مخصوصة ، وهى المساجد الاسلامية فى الأمم السالفة ، وهذه الأمة ومقابلها مساجد الكفر وبيوت السكنى ونحوها ، لا خصوص موضع السجود ، من القدس والمسجد الحرام ، ومسجد المدينة ، ومسجد قباء ، ومعنى ﴿ أذن الله ان ترفع ﴾ امر بتعظيمها كصيانتها من دخول الجنب والحائض ، والنفساء والأقلف ، والسكران بمحرم ، وعن مسهم إياها ، ولو من خارج ، واستنادهم عليها من خارج ، ودخول الصبيان والمجانين ، وإدخال الميت ، قال صلى الله عليه وسلم : « جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ، وشراءكم وبيعكم ، وخصوماتكم ورفع أصواتك ، وإقامة حدودكم ، وسل سيوفكم ، واتخذوا على أبوابها المطاهر ، وجمروها فى الجمع » .
وقيل : رفعها بناءها كقوله تعالى : ﴿ بناها * رفع سُمكها فسواها ﴾ وقال عز وجل : ﴿ وإذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت ﴾ ولا يسرف فى تزيين المسجد بالنقش ، وليس ذلك من رفعه المأمور به ، ومن الاسراف نقش جامع قرطبة بالذهب مكتوباً به القرآن كله فى سواريه ، وهى نحو تسعمائة سارية من الرخام الفائق ، وإنفاق الوليد عن عبد الملك فى عمارة جامع دمشق مثل خراج الشام ثلاث مرات ، وروى أن سليمان بالغ فى تزيين بيت المقدس وعمارته ، وأقام فى عمارته كذا وكذا ألف رجل سبع سنين ، ووضع آجره من الكبريت الأحمر على رأس قبة الصخرة ، تعزل النساء فى ضوءها ليلا على اثنى عشر ميلا ، وفعل النبى ليس إسرافاً ، وليس إسرافاً بناء عثمان مسجد النبى صلى الله عليه وسلم بالساج ، وكذا بالغ عمر بن عبد العزيز فى تزيينه ونقشه ، ولم ينههما أحد .
وعنه صلى الله عليه وسلم : « ما ساء قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم » وعن ابن عباس : أمرنا أن نبنى المساجد جماء ، وجاءت الأنصار بمال فقالوا : يا رسول الله زين به مسجدك ، فقال صلى الله عليه وسلم : « إن الزينة والتصاوير للكنائس والبيع بيضوا مساجد الله تعالى » ومن شأن المسجد أن يعمر صفة الأول حتى يفرغ ، ثم الثانى وهكذا ، وإذا دخل رجل قصد يمين المحراب من الصف الأول ، والثانى يساره ، والثالث مقابله ، والرابع حيث شاء ، ولا يجزى عمارة فى موضع من غير الأول ، وجاء آخر قصد اليمين من الأول ، لأن المعتبر فى التقديم هو الأول ، حتى يتم فى صلاة الصف ، وإن كانت فيه محاريب اعتبر الذى يصلى فيه الامام فى الحال .
وقال صلى الله عليه وسلم : « من رأيتموه ينشد شعراً فى المسجد فقولوا له فض الله تعالى فاك ثلاث مرات ، ومن رأيتموه ينشد ضالة فى المسجد فقولوا لا وجدتها ثلاث مرات » ويستثنى شعر العلم والحكمة ، والوعظ والمدح النبوى ، قال صلى الله عليه وسلم : « إذا وجد أحدكم القملة فى المسجد فليصرها فى ثوبه حتى يخرجها » ويمنع من دخول ذى البصل والثوم والكراث والبخر والصنان فى المساجد ، واتخاذها طريقاً ، والمكث فيها ، أو المرور بلا ركعتين ، ومن تعظيمها تقديم اليمنى دخولا ، واليسرى خروجاً .
قال بعض الصحابة ، إذا طلع شىء من الصدر أو نزل من الرأس ، ولم يبزقه فى الأرض ، ولا فى ثوبه ، بل بلعه احتراماً للمسجد أدخل الله فى جوفه الشفاء ، وأخرج منه الداء ، وهل له البصاق فى الصلاة فى أرض المسجد يساراً وتحت قدمه؟ قيل نعم ، ويصلح ذلك بعد السلام ، وقيل لا إلا فى ثوبه ، وعن أبى هريرة مرفوعاً : إن لم يجد موضعاً فى المسجد فليبصق فى ثوبه وليحكه ، والغدو مصدر بمعنى الزمان ، والآصال جمع أصل بمعنى أصيل كعنق وأعناق ، أو جمع أصيل كشرف وأشراف ، على خلاف القياس ، والغدو من أول النهار الى الزوال ، والأصل من الزوال الى الصبح ، وعن ابن عباس : الغدو وقت الضحا ، وأن صلاة الضحا من هذه الآية ، وخص الرجال بالذكر ، لأنهم أحق بعمارة المساجد ، قال صلى الله عليه وسلم : « مساجد نسائكم قعر بيوتهن » .
﴿ لا تلهِيهم تجارة ﴾ معاوضة بأى وجه ﴿ ولا بيْعٌ ﴾ تخصيص بعد تعميم أو التجارة المعاوضة بالربح والبيع المعاوضة مطلقاً ، فهو تعميم بعد تخصيص ولا تعميم ، وفى الآية مدح لمن يجمع العبادة والكسب ، ويجوز أن يكون المعنى من لا يتجر ولا يبيع ، فضلاً عن أن يلهيهم ذلك كاهل الصفة ، والأول أولى ، لأنه ظاهر العبارة ، وأهله الفاعلون له أكثر ، وهو قول الحسن البصرى ، إذ قال : كانوا يتجرون ولا تلهيهم تجارة عن ذكر الله تعالى قلب : بل الآية تشملهما بمعنى أنها إما أن تكون ولا تشغلهم ، وإما أن لا تكون .