[سورة الروم — آية 30]
قال : ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ أي : مخلصاً ، في تفسير الحسن . وقال الكلبي : مسلماً ﴿ فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ أي : خلق الله الذي خلق الناس عليه ، وهو قوله : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ﴾ [ الأعراف : 172 ] .
قال بعضهم : إن أوَّل ما خلق الله القلم فقال : اكتب . فقال : ربّ ، وما أكتب؟ قال : ما هو كائن . فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة؛ قال : فأعمال العباد تعرض كل يوم اثنين وخميس فيجدونه على ما في الكتاب الأول . ثم أخرج الله من ظهر آدم كل نسمة هو خالقها ، فأخرجهم مثل الذر ، فقال : ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا بَلَى ﴾ ثم أعادهم في صلب آدم ، ثم يكتب بعد ذلك العبد في بطن أمه شقياً أو سعيداً على الكتاب الأول . فمن كان في الكتاب الأول شقياً عُمِّر حتى يجري عليه القلم فينقض الميثاق الذي أُخذ عليه في صلب آدم فيكون شقياً . ومن كان في الكتاب الأول سعيداً عُمِّر حتى يجري عليه القلم فيؤمن فيصير سعيداً . ومن مات صغيراً من أولاد المؤمنين قبل أن يجري عليه القلم فهو مع آبائه في الجنة من ملوك أهل الجنة ، لأن الله يقول : ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ [ الطور : 21 ] .
ذكروا عن الحسن قال : توفي ابن رجل من الأنصار فقعد في بيته . فافتقده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأل عنه ، فقال سعد : يا رسول الله ، توفي ابنه فقعد في بيته . ثم لقي الرجلَ سعدٌ فقال : إن رسول الله ، قد ذكرك اليومَ . فأتى الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، تُوفّي ابني فقعدت في بيتي . فقال رسول الله : « أما ترضى أن تكفى مؤونته في الدنيا وألا تأتي على باب من أبواب الجنة إلا وجدته بإزائه ينتظرك؟ » .
قال بعضهم : ومن كان من أولاد المشركين ثم مات قبل أن يجري عليه القلم فليس يكونون مع آبائهم في النار ، لأنهم ماتوا على الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم ولم ينقضوا الميثاق ، قال : وهم خدم أهل الجنة .
ذكروا عن أنس بن مالك قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال : « لم تكن لهم حسنات [ فيجزوا بها ] فيكونوا من ملوك أهل الجنة ، ولم تكن لهم سيئات فيكونوا من أهل النار؛ فهم خدم أهل الجنة » .
ذكروا عن سلمان الفارسي أنه قال : أطفال المشركين خدم لأهل الجنة . وذكر ذلك قوم للحسن فقال : وما تنكرون؟ قوم أكرمهم الله ، وأكرَمَ بهم ، يعني أهلَ الجنة .
ذكروا عن أبي هريرة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين فقال « لم : تكن لهم حسنات فيكونوا من ملوك أهل الجنة ، ولم تكن لهم سيئات فيكونوا من أهل النار » .
ذكروا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه . فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه . قيل : يا رسول الله ، فالذي يموت صغيراً؟ قال : الله أعلم بما كانوا عاملين » .
ذكروا عن الحسن قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : من في الجنة؟ فقال : « النبيّون في الجنة ، والمولود في الجنة ، والشهيد في الجنة ، والموءودة في الجنة » .
ذكروا عن الحسن قال : أربعة يرجون العذر يوم القيامة : من مات قبل الإِسلام ، ومن أدركه الإِسلام وهو هرم قد ذهب عقله ، ومن ولدته أمه لا يسمع الصوت ، والذي يتخبّطه الشيطان من المس . فكل هؤلاء يرجون العذر يوم القيامة . قال : فيرسل الله إليهم رسولاً ، فيوقد لهم ناراً ، فيأمرهم أن يقعوا فيها ، فمن بين واقع ومن بين هارب . قال بعضهم : وبلغنا أن من واقعها نجا ، ومن لم يواقعها دخل النار .
وقال بعضهم : نرى أن الذين ينجون من ولدته أمه لا يسمع الصوت ، والذي يتخبّطه الشيطان من المسّ لهما عذر ، والاثنان الآخران ليس لهما عذر : الذي مات قبل الإِسلام ، ومن أدرك الإِسلام وقد ذهب عقله لأنهما قد لقيا الحجّة من الأنبياء؛ من عيسى أو من غيره من قبله . قال الله : ﴿ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا ءَابَاءَهُمْ ضَآلِّينَ فَهُمْ عَلَى ءَاثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ﴾ [ الصافات : 69-70 ] . وقول الحسن في هذا متروك لا يؤخذ به ولا يذهب إليه المسلمون .
قوله : ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ﴾ أي : لدين الله ، كقوله : ﴿ إِنَّ عِبَادِي ﴾ أي : المؤمنين ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ [ الإِسراء : 65 ] ، وكقوله : ﴿ مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المُهْتَدِ ﴾ [ الكهف : 17 ] أي : لا يستطيع أحد أن يضلَّه . وكقوله : ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا ﴾ [ النحل : 99 ] .
قال : ﴿ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ وهم المشركون .