باب الجفاة عند الموت
الجزء ١ · صفحة ٦١أعتيب قد كنت امرءاً لي جانبٌ … حتّى رزئتك والجدود تضعضع
فلمن أقول إذا تلمّ ملمّةٌ … أرني برأيك أم إلى من أفزع !؟
قد كنت أنظر في المقامة سادراً … فنظرت قصدي واستقام الأخدع
وفقدت إخواني الّذين بقربهم … أعطي الدّنيّة من أشاء وأمنع
نعم الفتى من آل بكرٍ ألبسوا … أثوابه في اللّحد ثمّ تصدّعوا
عنه وما طابت بذاك نفوسهم … ولكلّ جنبٍ لا محالة مصرع
وجزعت عليه أخته عمرة فقالت: الكامل
قل للأرامل واليتامى قد ثوى … فلتبك أعينها على عتّاب
أودى ابن كلّ مخاطرٍ بتلاده … وبنفسه بقيا على الأحساب
الرّاكبين من الأمور صدورها … لا يركبون معاقد الأذناب
قال أبو الحسن: قال الهلالي: أغمي على سعيد بن المسيب فوجه ثم أفاق فقال: ما هذا ؟ فقيل له، فقال: أوليس وجهي لله جل ذكره حيث كان !.
وقال الهلالي: كان عثمان بن عفان، رحمه الله، إذا وقف على قبر بكى، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنك لتبكي عند القبر بكاءً ما تبكيه عند شيء ! فقال: نعم، إنه آخر منازل الدنيا وأول منازل الآخر، فإن شدد على صاحبه فما بعده أشد، وإن هون على صاحبه فما بعده أهون. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما رأيت منظراً قط إلا والقبر أفظع منه.
وقال الهلالي: لما حضرت معاوية الوفاة، قيل له: قل لا إله إلا الله. فضعف عنها، ثم قيل له فضعف، فثلث عليه. فقال: أولست من أهلها ؟! وقال الهلالي: أثني قوم على عوف الأعرابي وهو في الموت، فقال: يا قوم، أمدونا بالدعاء، وأعفونا من الثناء.
باب الجفاة عند الموت
قال أبو العباس رحمه الله تعالى: ونذكر الجفاة عند الموت: قال علي بن محمد عن علي بن مجاهد عن ابن إسحاق عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب وهو في الموت: يا عم، قل لا إله إلا الله أشهد لك بها عند ربي. قال: يا بن أخي، لولا أن تكون سبةً عليك بعدي لأقررت بها عينك.
وقال: قال الزهري: مر عبد الله بن مسعود بأبي جهل فقال: الحمد لله الذي أخزاك يا عدو الله. قال: يا بن أم عبد، ما أخزاني الله. لست بأول سيد قتله قومه. إن أشد من ذلك علي ألا يكون ولي مني ما تريد أن تليه، رجل من صميم المطيبين، فوضع ابن مسعود رجله على عنقه فقال: أرويعياً بالأمس بمكة. لقد ارتقيت مرتقى صعبا قال أبو الحسن: سئل وكيع بن الدورقية: كيف قتلت عبد الله ابن خازم ؟ قال: قعدت على صدره، وغلبته بفضل فتاء كان لي عليه وناديت: يا لثارات دويلة يعني أخاه من أمه. وكان دويلة أخا وكيع من أمه، قتله عبد الله. قال: وكنت طعنته في شدقه، فجمع ما كان في فيه من الدم والريق فتنخم به، فملأ وجهي وقال: قبحك الله، أتقتل كبش مضر بأخ لك لا يساوي كف نوى !.
قال: وكان ابن هبيرة يقول: هذه والله البسالة، لقدرته على كثرة ريقه عند الموت.
وقال عبد الله بن قائد: كان طريف بن نافع الباهلي عالماً بالنسب، فلما ثقل قال لقومه وهو في الموت: بلوا فمي بماء، فعصروا في فيه ماءً بقطنه، ثم قال: أجلسوني فأجلسوه فقال: فلان ليس لأبيه الذي يدعى له. فقيل له: أتقول هذا وأنت على هذه الحال ! فقال: خفت أن أموت وأنتم في شك منه، ثم أضجعره فمات.
وقال يعقوب بن عوف عن عبد الله بن أبي بكر أن بجرة بن فراس القشيري قيل له وقد نزل به الموت : قل لا إله إلا الله، قال: أشهد أن أبا الزاهرية أو أبا حرب نعم الفارس كان يوم النخيل ثم مات.
وقال عوانة: قال الحجاج لوازع بن ذؤالة الكلبي: كيف قتلت همام بن قبيصة الفزاري ؟ قال: مر بي والناس منهزمون، ولو شاء أن يفوتني فعل، فلما رآني قصدني فضربني وضربته، وسقط وحاول القيام فلم يقدر عليه، وقال وهو في الموت: الطويل
تعست ابن ذات البظر أجهز على امريءٍ … يرى الموت خيراً من فرارٍ وأكرما
ولا تتركنّي بالحشاشة إنّني … صبورٌ إذا ما النّكس مثلك أحجما
فدنوت منه. فقال: أجهز علي قبحك الله، فقد كنت أحب أن يلي هذا مني أربط جأشاً منك. فاحتززت رأسه فأتيت به مروان وأخبرته الخبر، فقال: لا تبعد رجالات قيس !