التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

بشيء حكي عنه

الجزء ١ · صفحة ٦٥

وقال: محمد بن أبي محمد: بلغني أن الإسكندر مر بمدينة قد ملكها أملاك سبعة، وبادوا. فقال: هل بقي من نسل الأملاك الذين ملكوا هذه المدينة أحد ؟ قالوا: رجل يكون في المقابر. فدعا به فقال: ما دعاك إلى لزوم المقابر ؟ قال: أردت أن أعزل عظام الملوك من عظام عبيدهم، فوجدت ذلك سواءً. قال: فهل لك أن تتبعني فأحيي بك شرف آبائك إن كانت لك همة ؟ قال: إن همتي لعظيمة إن كانت بغيتي عندك. قال: وما بغيتك ؟ قال: حياة لا موت فيها، وشباب لا هرم معه، وغنىً لا يتبعه فقر، وسرور لا يغيره مكروه. قال: ما أقدر على هذا. قال: فامض لشأنك، وخلني أطلب بغيتي ممن هي عنده. فقال الاسكندر: هذا أحكم من رأيت.

وقال عبد الله بن عباس: ما قيل لقوم قط طوبى لهم إلا خبأ لهم الدهر يوم شر، فالصبر خير مغبةً.

وتحدث أبو الحسن المدائني قال: قال بعثر بن لقيط بن خالد بن نضلة الفقعسي وهلك ابنه طعمة، فورثه بردين فلبسهما وأنشأ يقول: الطويل

كساني ثوبي طعمة الموت إنّما التّ … راث وإن عزّ الحبيب الغنائم

إذا نفحت ريّاهما الرّيح نفحةً … أبيت كأنّي غضّة الطّرف رائم

يقول: أبيت أحن كالناقة الرائم حنيناً إلى ابني. والرائم: الناقة يفارقها ولدها فيحشى جلد فصيل تبناً أو غير ذلك، ويلطخ بشيء من سلاها، وتحشى غمامة في أنفها، وتجعل درجة في حيائها، فتفتح عينها، وذلك الجلد محشو كأنه خرج منها، ورائحة السلا فيه، وتنزع الغمامة من أنفها فتجد لذلك رائحة، فكأنها قد ولدت، فإذا تشممت ذلك الولد فقد رأمته، فينزل اللبن، فكأنهم خدعوها عن لبنها.

وقال شعيب بن صفوان: كان لحضرمي بن عامر الأسدي إخوة فهلكوا، فورث أموالهم، فراح ذات يوم في بردين له، فنظر إليه رجل من قومه يقال له جزء بن فاتك، فقال له: لقد أمسيت يا حضرمي جذلان، فأنشأ يقول وجزع: المنسرح

يقول جزء ولم يقل جللا … إنّي تروّحت ناعماً جذلا

إن كنت أزننتني بها كذباً … جزء فلاقيت مثلها عجلا

أفرح أن أرزأ الكرام وأن … أورث ذوداً شصائصاً نبلا ؟

الذوذ: القليل من الإبل. يقال: إن الذود الذوذ إلى الذود إبل والشصائص: المهازيل العجاف. والنبل: يقول أصحاب الغريب إنها الحقيرة، وإنها من الأضداد.

كم كان في إخوتي إذا اشتمل الأب … طال تحت العجاجة الأسلا

من فارسٍ ماجدٍ أخي ثقةٍ … يعطي جزيلاً ويقتل البطلا

وقال حرب وذكر المعمرين : عاش دويد النهدي أربع مائة سنة، فقال لولده وأهله حين نزل به الموت: أوصيكم بالناس شراً، طعناً لزا، وضرباً أزا، اقصروا الأعنة، وأطيلوا الأسنة، وارعوا الكلأ، ثم قال: مشطور الرجز

اليوم يبنى لدويدٍ بيته … يا ربّ نهبٍ حسنٍ حويته

ومعصمٍ ذي برةٍ لويته … لو كان للدّهر بلىً أبليته

أو كان قرني واحداً كفيته

وقال عروة بن سليم: دخلت على رجل من الأحامرة بالكوفة، وعنده جماعة من أهله وغيرهم، فقالوا: قل لا إله إلا الله، فأعرض بوجهه، فأعادوها عليه مراراً، فقال: أخبروني عن أبي طالب أقالها ؟ قالوا: وما أنت وأبو طالب ؟ قال: لا أرغب بنفسي عنه.

وقال سلام بن أبي خبرة: ضربت الخوارج بكراً الطاحي فقطعوه بالسيوف، فدخل عليه قوم يعودونه وعنده رجال ونساء، فقالوا له: ليس عليك بأس، فقال: الطويل

غناءٌ قليلٌ عن بكير بن وائلٍ … ترّمز أستاه الإماء العوائد

باب من تكلم في مرضه

بشيء حكي عنه

قال أبو الحسن: حدثني رجل من بني كنانة من أهل المدينة قال: مرض بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعاده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر الصديق، فقال بلال: الرجز

جاءك مولاك مع الرّسول … ذاك هدى الله به سبيلي

فلم أدن دين أبي عقيل … ولا بدين الأسود الضّلول

٦٥ / ٧٩