باب مراث من أشعار المحدثين
الجزء ١ · صفحة ٤٠قصمت جناحي بعدما هدّ منكبي … أخوك، ورأسي قد علاه مشيب
فأصبحت في الهلاّك إلاّ حشاشةً … تذاب بنار الشّوق فهي تذوب
تولّيتما في حجّةٍ فتركتما … صدىً يتولّى تارةً ويثوب
ولا رزء إلاّ دون رزئك رزؤه … ولو فتّتت حزناً عليك قلوب
وإنّي وإن قدّمت قبلي لعالمٌ … بأني وإن أبطأت منك قريب
وإنّ صباحاً نلتقي في مسائه … صباحٌ إلى قلبي الغداة حبيب
وقال إسماعيل بن القاسم، أبو العتاهية يرثي أخاً له، يقال له علي بن ثابت وكان علي ناسكاً فاضلاً أديباً شاعراً: الوافر
ألا من لي بأنسك أي أخيّا … ومن لي أن أبثّك ما لديّا
طوتك خطوب دهرك بعد نشرٍ … كذاك خطوبه نشراً وطيّا
ولو نشرت قواك لي المنايا … شكوت إليك ما صنعت إليّا
بكيتك أي أخيّ بدرّ عيني … فلم يغن البكاء عليك شيّا
وكانت في حياتك لي عظاتٌ … وأنت اليوم أو عظ منك حيّا
قال: أخذ هذا المعنى مما يؤثر عن بعض ملوك العجم أنه احتضر فحضره من يحضر الملوك من الحكماء حتى قضى. فقال ذلك الحكيم: كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس.
وقال أبو العتاهية أيضاً: الخفيف
يا عليّ بن ثابتٍ أين أنتا … أنت بين القبور حيث دفنتا
يا عليّ بن ثابتٍ بان منّي … صاحبٌ جلّ فقده يوم بنتا
قد لعمري حكيت لي غصص المو … ت وحرّكتني لها وسكنتا
أخذ هذا المعنى من قول بعض الحكماء وحضر ميتاً، فارتفع البكاء عيه حين قضى، فقال الحكيم: حركنا بسكونه.
وقال فيه أيضاً: مجزوء الخفيف
صاحبٌ كان لي هلك … والسّبيل الّذي سلك
يا عليّ بن ثابتٍ … غفر الله لي ولك
كلّ حيٍّ مملّكٍ … سوف يفنى وما ملك
قال أبو العباس: وأنشدني أبو محمد التوزي لرجل من قيس يرثي ابنه: الطويل
أجارتنا لا تجزعي وأنيبي … أتاني من الموت المطلّ نصيبي
بنيّ على عيني وقلبي مكانه … ثوى بين أحجارٍ وبطن جبوب
عجبت لإسراع المنيّة نحوه … وما كان لو ملّيته بعجيب
وما هدّ ركني أن سلبت جماله … على أنّني أرثي لكلّ سليب
صبرت على خير الفتوّ رزئته … ولولا اتّقاء الله طال نحيبي
وما جزعي من نازلٍ عمّ فجعه … ومن ورد آباري وقصد شعيبي
لعمري لقد دافعت موت محمّدٍ … لو أنّ المنايا ترعوي لطبيب
وكان كريحان العروس بقاؤه … ذوى بعد إشراق الغصون وطيب
فيا حزناً نغّصت قرب محمّدٍ … وأيّ فتى نغّصت يوم ركوبي
أغرّ طويل السّاعدين مشيّعٌ … كسيف المحامي هزّ غير كذوب
دعته المنايا فاستجاب لصوتها … فللّه من داعٍ دعا ومجيب
فأصبحت أبدي للعدوّ جلادةً … ويا لك من قلبٍ هناك كئيب
يذكّرني نوح الحمام فراقه … وإرنان أبكار النّساء وثيب
ولي كلّ يومٍ عبرةٌ لا أفيضها … لأحظى بصبرٍ أو بحطّ ذنوب
أظلّ لأحداث المنون مفزّعاً … كأنّ فؤادي في جناح طلوب
إذا شئت راعتني مقيماً وظاعناً … مصارع شبّانٍ لديّ وشيب
غدا سلفٌ منّا وهجّر رائحٌ … على أثر الغادين قود جنيب
وما نحن إلاّ كالخليط الّذي مضى … فرائس دهرٍ مخطيءٍ ومصيب
نؤمّل عيشاً في حياةٍ ذميمةٍ … أضرّت بأبدانٍ لنا وقلوب
وما خير عيشٍ لا يزال مفزّعاً … بفوت نعيمٍ أو بموت حبيب