التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب مراث من أشعار المحدثين

الجزء ١ · صفحة ٤٠

قصمت جناحي بعدما هدّ منكبي … أخوك، ورأسي قد علاه مشيب

فأصبحت في الهلاّك إلاّ حشاشةً … تذاب بنار الشّوق فهي تذوب

تولّيتما في حجّةٍ فتركتما … صدىً يتولّى تارةً ويثوب

ولا رزء إلاّ دون رزئك رزؤه … ولو فتّتت حزناً عليك قلوب

وإنّي وإن قدّمت قبلي لعالمٌ … بأني وإن أبطأت منك قريب

وإنّ صباحاً نلتقي في مسائه … صباحٌ إلى قلبي الغداة حبيب

وقال إسماعيل بن القاسم، أبو العتاهية يرثي أخاً له، يقال له علي بن ثابت وكان علي ناسكاً فاضلاً أديباً شاعراً: الوافر

ألا من لي بأنسك أي أخيّا … ومن لي أن أبثّك ما لديّا

طوتك خطوب دهرك بعد نشرٍ … كذاك خطوبه نشراً وطيّا

ولو نشرت قواك لي المنايا … شكوت إليك ما صنعت إليّا

بكيتك أي أخيّ بدرّ عيني … فلم يغن البكاء عليك شيّا

وكانت في حياتك لي عظاتٌ … وأنت اليوم أو عظ منك حيّا

قال: أخذ هذا المعنى مما يؤثر عن بعض ملوك العجم أنه احتضر فحضره من يحضر الملوك من الحكماء حتى قضى. فقال ذلك الحكيم: كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس.

وقال أبو العتاهية أيضاً: الخفيف

يا عليّ بن ثابتٍ أين أنتا … أنت بين القبور حيث دفنتا

يا عليّ بن ثابتٍ بان منّي … صاحبٌ جلّ فقده يوم بنتا

قد لعمري حكيت لي غصص المو … ت وحرّكتني لها وسكنتا

أخذ هذا المعنى من قول بعض الحكماء وحضر ميتاً، فارتفع البكاء عيه حين قضى، فقال الحكيم: حركنا بسكونه.

وقال فيه أيضاً: مجزوء الخفيف

صاحبٌ كان لي هلك … والسّبيل الّذي سلك

يا عليّ بن ثابتٍ … غفر الله لي ولك

كلّ حيٍّ مملّكٍ … سوف يفنى وما ملك

قال أبو العباس: وأنشدني أبو محمد التوزي لرجل من قيس يرثي ابنه: الطويل

أجارتنا لا تجزعي وأنيبي … أتاني من الموت المطلّ نصيبي

بنيّ على عيني وقلبي مكانه … ثوى بين أحجارٍ وبطن جبوب

عجبت لإسراع المنيّة نحوه … وما كان لو ملّيته بعجيب

وما هدّ ركني أن سلبت جماله … على أنّني أرثي لكلّ سليب

صبرت على خير الفتوّ رزئته … ولولا اتّقاء الله طال نحيبي

وما جزعي من نازلٍ عمّ فجعه … ومن ورد آباري وقصد شعيبي

لعمري لقد دافعت موت محمّدٍ … لو أنّ المنايا ترعوي لطبيب

وكان كريحان العروس بقاؤه … ذوى بعد إشراق الغصون وطيب

فيا حزناً نغّصت قرب محمّدٍ … وأيّ فتى نغّصت يوم ركوبي

أغرّ طويل السّاعدين مشيّعٌ … كسيف المحامي هزّ غير كذوب

دعته المنايا فاستجاب لصوتها … فللّه من داعٍ دعا ومجيب

فأصبحت أبدي للعدوّ جلادةً … ويا لك من قلبٍ هناك كئيب

يذكّرني نوح الحمام فراقه … وإرنان أبكار النّساء وثيب

ولي كلّ يومٍ عبرةٌ لا أفيضها … لأحظى بصبرٍ أو بحطّ ذنوب

أظلّ لأحداث المنون مفزّعاً … كأنّ فؤادي في جناح طلوب

إذا شئت راعتني مقيماً وظاعناً … مصارع شبّانٍ لديّ وشيب

غدا سلفٌ منّا وهجّر رائحٌ … على أثر الغادين قود جنيب

وما نحن إلاّ كالخليط الّذي مضى … فرائس دهرٍ مخطيءٍ ومصيب

نؤمّل عيشاً في حياةٍ ذميمةٍ … أضرّت بأبدانٍ لنا وقلوب

وما خير عيشٍ لا يزال مفزّعاً … بفوت نعيمٍ أو بموت حبيب

٤٠ / ٧٩