باب مراث من أشعار المحدثين
الجزء ١ · صفحة ٤١قال أبو العباس: حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي عن الزبير بن بكار الزبيري عن سليمان بن العباس السعدي قال: جاء عبد الله بن عمر العبلي إلى سويقة وهو طريد بني العباس وكان ذلك بزمان خروج ملك بني أمية وانتقاله إلى بني العباس، قاصداً لعبد الله وحسن، ابني حسن، فاستنشده عبد الله من شعره فأنشدهم فقالوا: نريد من شعرك ما رثيت به قومك، وما كان من أمركم وأمر القوم فأنشدهم قوله: المتقارب
تقول أمامة لمّا رأت … نشوزي عن المنزل المنفس
وقلّة نومي على مضجعي … لدى هجعة الأعين النّعّس:
أبي، ما عراك ؟ فقلت: الهمو … م عرين أباك فلا تبلسي
عرين أباك فحبّسنه … من الطّرد في شرّ ما محبس
لفقد العشيرة إذ نالها … سهامٌ من الحدث الموئس
رمتها المنون بلا نصّلٍ … ولا طائشاتٍ ولا نكّس
بأسهمها الخالسات النّفوس … متى ما تصب مهجةً تخلس
فصرعاهم في نواحي البلا … د ملقىً بأرضٍ ولم يرسس
تقيّ أصيب وأثوابه … من العار والعيب لم تدنس
وآخر قد رسّ في حفرةٍ … وآخر طار فلم يحسس
فكم من كوابٍ بواكي العيو … ن حزناً ومن صبيةٍ بؤّس
إذا ما ذكرنهم لم تنم … صباح الوجوه ولم تجلس
يرجّعن مثل بكاء الحما … م في مأتمٍ قلق المجلس
فذاك الّذي غالني فاصمتي … ولا تسأليني وتستنحسي
وفي ذاك أشياء قد ضفنني … ولست لهنّ بمستحلس
أفاض المدامع قتلى كدىً … وقتلى بكثوة لم ترمس
وبالزّابيين نفوسٌ ثوت … وقتلى بنهر أبي فطرس
أولئك قومٌ أذاعت بهم … حوادث من زمنٍ متعس
فذلّت قناتي لمن رامها … وأنزلت الرّغم بالمعطس
قال: فلما أتى عليها استبكى محمد بن عبد الله بن حسن، فنظر عبد الله إلى أخيه حسن فقال: مالك تنظر إلي ! أما والله، لو كان ابنك على غير ما ترى لكان خيراً لنا ولك. فأقبل محمد على عمه بإظهار الشفقة على بن العباس ويقول إنهم ليسوا كبني أمية لقرب بني العباس من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام الحسن إلى منزله فبعث إلى العبلي بخمسين ديناراً، وأمر له عبد الله، ومحمد وإبراهيم ابناه، كل واحد بخمسين ديناراً. وكانت هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة مقتفية بالعبلي. وهند المذكورة هي امرأة عبد الله بن حسن، ومحمد وإبراهيم ولداها. فقال العبلي: الوافر
أقام ثويّ بنت أبي عبيدٍ … بخير منازل الجيران جارا
أتاهم خائفاً وجلاً طريداً … فصادف خير دور النّاس دارا
إذا ذمّ الجوار نزيل قومٍ … شكرتهم ولم أذمم جوارا
فقالت هند لعبد الله وابنيها محمد وإبراهيم: والله ما مدحكم بأفضل مما مدحني به فلتعطنه عني مثل ما أعطاه أحدكم. فأعطوه عنها خمسين ديناراً.
فقال الزبير: إنما ينسب عبلياً من كان من ولد أمية الأصغر، وليس عبد الله هذا من ولده، إنما أمية عمه.
يقال: فلان يقتفي بفلان إذا كان يؤثره، والقفية: الطعام يؤثر به الرجل واحداً يقدمه. ويقال للرجل يختار ويقصد بالبر: ألقيت قفيتي عليك.
وقال أحد الأعراب الفصحاء: الطويل
لعمري لقد نادى بأرفع صوته … نعيّ حييٍّ أنّ سيّدكم هوى
أجل صادقاً والقائل الفاعل الّذي … إذا قال قولاً أنبط الماء في الثّرى
فتىً قبلٌ لم تعنس ألسّنّ وجهه … سوى شهبٍ في الرّأس كالفجر في الدّجى
أشارت له الحرب العوان فجاءها … يقعقع بالأقراب أوّل من أتى
ولم يجنها لكن جناها وليّه … فأدى وآساه فكان كمن جنى
وقال أيضاً يرثيه: الوافر
ألا لهف الأرامل واليتامى … ولهف الباكيات على حييّ