باب مراث من أشعار المحدثين
الجزء ١ · صفحة ٤٣رأى كلّ أمٍّ وابنها غير أمّه … يبيتان تحت اللّيل ينتجيان
يرنّ بصوتٍ فضّ قلبي نشيجه … وسحّ دموعٍ ثرّة الهملان
وبات وحيداً في الفراش تحثّه … بلابل قلبٍ دائم الخفقان
ألا إنّ سجلاً واحداً إن هرقته … من الدّمع أو سجلين قد شفياني
فلا تلحياني إن بكيت فإنما … أداوي بهذا الدّمع ما تريان
وإنّ مكاناً في الثّرى خطّ لحده … لمن كان من قلبي بكلّ مكان
أحقّ مكانٍ بالزّيارة والهوى … فهل أنتما إن عجت منتظران ؟
فهبني عزمت الصّبر عنها لأنّني … جليدٌ، فمن بالصّبر لابن ثمان ؟
ضعيف القوى لا يطلب الأجر حسبةً … ولا يأتسي بالنّاس في الحدثان
ألا من أمنّيه المنى وأعدّه … لعثرة أيّامٍ وصرف زمان ؟
ألا من إذا ما جئت أكرم مجلسي … وإن غبت عنه حاطني وكفاني ؟
فلم أر كالأيّام كيف تصيبني … ولا مثل هذا الدّهر كيف رماني
ولا مثل أيّامٍ فجعت بفقدها … ولا مثل يومٍ بعد ذاك دهاني
أعينيّ إلاّ تسعدا اليوم عبرتي … فبئس إذن ما في غدٍ تعداني
أعينيّ إن أنع السّرور وأهله … وعهد الصّبا عندي فقد نعياني
أعينيّ إن أبك البشاشة والصّبا … فقد آذنا منّي وقد بكياني
ألا إنّ بيتاً لم أزره لشدّ ما … تلبّس من قلبي به وعناني
ألا إنّ بيتاً لم أزره لعزّ ما … تضمّن منه في الثّرى الكفنان
وقال رجل من الأنصار يذكر امرأة كانت له، وكانت به برة، وله حافظةً إذا غاب، وسارةً إذا حضر، فأصيب بها: الطويل
ألا ما لهذا البيت ليس بذي أهل … تنكّرت ما قد كنت تألف من قبلي
أيا جارتا لا تبعدي خير جارةٍ … لبعلٍ وأحناه على ولدٍ طفل
فلو أنّني كنت العليل لأيقظت … بنيها وما نامت ولا فعلت فعلي
وقال رجل من بني شيبان يرثي معن بن زائدة: الطويل
أحين ثوى معنٌ ثوى الجود والنّدى … وأصبح عرنين المكارم أجدعا
فيا قبر معنٍ أنت آخر خطّةٍ … من الأرض خطّت للمكارم مضجعا
ويا قبر معنٍ كيف واريت جوده … وقد كان منه البرّ والبحر مترعا
بلى قد وسعت الجود والجود ميّتٌ … ولو كان حيّاً ضقت حتّى تصدّعا
فتىً عيش في معروفه بعد موته … كما عاد غيثٌ بعد جدواه مرتعا
وقال عبد الصمد بن المعذل يرثي سعيد بن سلم. وشهرة أفعال سعيد وبعد صيته في عقله وأدبه، وجاهه وقدره، وكثرة معروفه وتمكنه من الخلفاء، تغني عن ذكر شيء من أفعاله: البسيط
ما للسّماء عليه ليس تنفطر … وللكواكب لا تهوي فتنتثر ؟
وللبلاد ألا تسمو زلازلها … والرّاسيات ألا تردى فتنقعر ؟
إنّ النّدى وأبا عمروٍ يضمهما … قبرٌ ببغداد يستسقى به المطر
لله حزمٌ وجودٌ ضمّه جدثٌ … ومكرماتٌ طواها التّرب والمدر
يا طالباً وزراً من ريب حادثةٍ … أودى سعيدٌ فلا كهفٌ ولا وزر
أبكى عليك عيون الحيّ من يمنٍ … ومن ربيعة ما تبكي له مضر
كلّ القبائل قد ردّيت أرديةً … من فضل نعماك لا يجزي بها شكر
ما خصّ رزؤك لا قيساً ولا مضراً … إنّ الرّزيّة معمومٌ بها البشر
لو كان يبكي كتاب الله من أحدٍ … لطول إلفٍ بكتك الآي والسّور
أبو الأرامل والأيتام ليس له … إلاّ مراعاتهم همٌّ ولا وطر
للهاربين مصادٌ غير مطّلعٍ … وللعفاة جنابٌ ممرعٌ خضر
من كلّ أفقٍ إليه العيس معملةٌ … وكلّ حيٍّ على أبوابه زمر
المصاد: رأس الجبل يتحصن فيه الخائفون، كما قال أوس بن حجر: الطويل