باب مراث من أشعار المحدثين
الجزء ١ · صفحة ٤٢لعمرك ما خشيت على حييّ … متالف بين حجر والسّليّ
ولكنّي خشيت على حييّ … جريرة رمحه في كلّ حيّ
وقال امرأة من كندة ترثي إخوتها: الطويل
أبوا أن يفرّوا والقنا في نحورهم … فماتوا وأطراف القنا تقطر الدّما
ولو أنّهم فرّوا لكانوا أعزّةً … ولكن رأوا صبراً على الموت أكرما
هوت أمّهم ماذا بهم يوم صرّعوا … بجيشان من أسباب مجدٍ تصرّما
وقال رجل من الخوارج يرثي عدداً منهم: الوافر
ألا في الله لا في النّاس سالت … بداوودٍ وإخوته الجذوع
مضوا قتلاً وتشريداً وصلباً … تحوم عليهم طيرٌ وقوع
إذا ما اللّيل أظلم كابدوه … فيسفر عنهم وهم ركوع
أطار الخوف نومهم فقاموا … وأهل الأمن في الدّنيا هجوع
وقالت الكندية: البسيط
لا تخبروا النّاس إلاّ أنّ سيّدكم … أسلمتموه ولو قاتلتم امتنعا
أعني فتىً لم تهبّ الرّيح رائحةً … يوماً من الدّهر إلاّ ضرّ أو نفعا
الواهب الألف لا يبغي لها ثمناً … إلاّ من الله والحمد الّذي صنعا
وقال أبو عبد الرحمن العتبي: البسيط
قد كنت أبكي على من فات من سلفي … وأهل ودّي جميعٌ غير أشتات
والآن إذ فرّقت بيني وبينهم … نوىً بكيت على أهل المودّات
وما بقاء امريءٍ كانت مدامعه … مقسومةً بين أحياءٍ وأموات
وكان أبو عبد الرحمن وسيطاً في قريش، من ولد عتبة بن أبي سفيان. وكان معدناً من معادن العلم بالأخبار جاهليتها وإسلاميتها وكان بالإسلامي أخبر. وتوالى له بنون موتاً. ورثاهم مراثي كثيرة نذكر بعضها مع ما في غيرهم من المراثي إن شاء الله.
فمن ذلك قوله: الكامل
أضحت بخدّي للدّموع رسوم … أسفاً عليك وفي الفؤاد كلوم
والصّبر يحمد في المصائب كلّها … إلاّ عليك فإنّه مذموم
يا واحداً من ستّةٍ أسكنتهم … حفراً تقسّم بينهم ورجوم
لولا معالم روسهنّ لما اهتدى … لحميمه بين القبور حميم
وقال أيضاً: المنسرح
كلّ لساني عن وصف ما أجد … وذقت ثكلاً ما ذاقه أحد
وأوطنت حرقةً حشاي فقد … ذاب عليها الفؤاد والكبد
إن أزمعت بالعزاء لجّ بها الشّ … وق فنيران حرّها تقد
ما عالج الحزن والحرارة في ال … أحشاء من لم يمت له ولد
فجعت بابنين ليس بينهما … إلاّ ليالٍ ليست لها عدد
فالنّفس تطوى على أحرّ من ال … جمر وأدنى أرجائها الكمد
وكلّ حزنٍ يبلى على قدم الدّ … هر وحزني يجدّه الأبد
ويروى عن الحسن البصري أنه قال: قدم علينا بشر بن مروان وهو أشرف الناس، وأجمل الناس، وأشب الناس، ابن خليفة وأخو خليفة، فلبث خمسة وأربعين يوماً ثم طعن في نيطه فمات. فخرج به إلى قبره والناس معه. وجاء سودان ثلاثة يحملون أسود، فدفن هذا وهذا. وخرجت إلى الصحراء ثم رجعت وقد انصرف عنهما، فلم أعرف قبر هذا من قبر هذا.
قال أبو العباس: حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك المعروف بالزيات وحدثني بهذا الحديث الذي أذكره غيره أيضاً أن محمد بن عبد الملك كانت له جارية وكان بها ضنيناً، وكان له منها ابن يقال له عمر وهو باق الآن، فماتت وابنها هذا صغير. وسمعت أبا أيوب سليمان ابن وهب يتحدث بقطعة من خبر محمد بن عبد الملك في ضنه بابنه هذا. فرثاها ببيتين هما جاريان على ألسن الناس مشهوران: الطويل
يقول لي الخلاّن لو زرت قبرها … فقلت: وهل غير الفؤاد لها قبر ؟
على حال لم أحدث فأجهل عهدها … ولم أبلغ السّنّ الّتي معها الصّبر
ورثاها فقال شعراً يقرب من القلب، ويضطر إلى تصديقه، ويرتاح لعهد قائله، ويرحم لشكوى بثه وهو: الطويل
ألا من رأى الطّفل المفارق أمّه … بعيد الكرى عيناه تنسكبان ؟