باب مراث من أشعار المحدثين
الجزء ١ · صفحة ٤٥ليغركما بالبثّ أن لست واقفاً … من الصّبر يوماً بعد عمروٍ على عذر
سلامٌ وسقيا من يد الله ثرّةٌ … على جسدٍ بالٍ بلمّاعةٍ قفر
جرت فوقه الأرواح أمناً لجريه … وقد كنّ حسرى حين يجري كما تجري
تولّى النّدى والبأس والحلم والتّقى … فلم يبق منها بعد عمرٍ وسوى الذّكر
فإن تطوه الأيّام لا تطو بعده … صنائع منه لا تبيد على النّشر
متى تلقه لا تلق إلاّ ممنّعاً … حماه، مصون العرض مبتذل الوفر
وأيّ محلٍّ لا لكفّيه نعمةٌ … على أهله من أرض برٍّ ولا بحر
وما اختلفت حالان إلاّ رأيته … ركوب الّتي تسبي هيوب الّتي تزري
ومن تكن الأوراق والتّبر ذخره … فما كان غير الحمد يرغب في ذخر
كلا حالتيه الجود أنّى تصرّفت … به دول الأيّام في العسر واليسر
وما عدمت يوماً لكفّيه أنعمٌ … تضاف له منها عوانٌ إلى بكر
وما انتسبت إلاّ إليه صنيعةٌ … وما نطقت إلاّ به ألسن الفخر
يرى غبناً يوماً يمرّ وليلةً … عليه ولم يكسب طريقاً من الشّكر
تغضّ له الأبصار عند اجتلائه … وليس به إلاّ الجلالة من كبر
ترى جهره جهر التّقيّ وسرّه … إذا ما اختبرت السّرّ أتقى من الجهر
ولم يصح من يومٍ ولم يمس ليلةً … بغير اكتساب الحمد مشتغل الفكر
وكانت تعمّ النّاس نعماء كفّه … فعمّوا عليه بالمصيبة والأجر
تناعاه أقطار البلاد تفجّعاً … لمصرعه تبكيه قطراً إلى قطر
تباشر بطن الأرض أنساً بقربه … وأضحت عليه وهي خاشعة الظّهر
ولم تك تسقى الأرض إلاّ بسيبه … إذا ما جفا أقطارها سبل القطر
إذا نشأت يوماً لكفّيه مزنةٌ … أديل الغنى في كلّ فجٍّ من القفر
هوى جبل الله الّذي كان معقلاً … وعزّاً لدين الله، ذلاً على الكفر
عجبت لأيدي الحتف كيف تغلغلت … إليك وبين النّسر بيتك والنّسر
وما كنت بالمغضي لدهرٍ على القذى … ولا ليّنٍ للحادثات على القسر
ولو دفع العزّ الحمام عن امريءٍ … لما نال عمراً للحمام شبا ظفر
ألم تك أسباب الرّدى طوع كفّه … تبين لصرفي ما يريش وما يبري
إذا صاح داعي الرّوع سار أمامه … لواءان معقودان بالفتح والنّصر
يقسّم آجال العدى عزم بأسه … بهنديّة بيضٍ وخطّيّةٍ سمر
وما ذبّ إلاّ عن حمى الدّين سيفه … ولا قاد خيل الله إلاّ إلى ثغر
وقد كان يقري الحتف أعداء سلمه … فأضحى قرى ما كان أعداءه يقري
تولّى أبو عمروٍ فقلنا لنا عمروٌ … كفانا طلوع البدر غيبوبة البدر
وكان أبو عمروٍ معاداً حياته … بعمروٍ، فلمّا مات مات أبو عمروٍ
وكنّا عليه نحذر الدّهر وحده … فلم يبق ما يخشى عليه من الدّهر
وهوّن وجدي أنّ من عاش بعده … يلاقي الّذي لاقى وإن مدّ في العمر
وهوّن وجدي أنّني لا أرى أمرءاً … من النّاس إلاّ وهو مغضٍ على وتر
رمتنا اللّيالي فيك يا عمرو بعد ما … حمدنا بك الدّنيا، بقاصمة الظّهر
سأجزيك شكري ما حييت فإن أمت … أبقّ ثناءً فيك يبقى إلى الحشر
وأوثر حزني فيك دون تجلّدي … وإسبال دمعٍ لا بكيءٍ ولا نزر