باب مراث من أشعار المحدثين
الجزء ١ · صفحة ٤٦قال أبو العباس: وكان مروان بن أبي الجنوب بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة مداحاً للخلفاء من لدن المهدي إلى أن قام محمد ولي عهد، ولم يبلغ خلافته. وكان مطبوعاً خطيباً في شعره، صحيح المعاني، قليل الإغماض صلب الكلام، وأعطاه المهدي فأكثر. وفي ذلك يقول: البسيط
صدّقت يا خير مأمولٍ ومنتجعٍ … ظنّي بأضعاف ما قد كنت أحتسب
أعطيت تسعين ألفاً غير متبعها … منّاً ولست بمنّانٍ لما تهب
فلما مات المهدي جزع عليه جزعاً شديداً، ورثاه بأشعار اخترنا منها قوله: الكامل
لو خلّدت بعد الإمام محمّدٍ … نفسي لما فرحت بطول بقائها
كم قائلٍ لمّا أتاه نعيّه: … ليت اللّيالي آذنت بفنائها
إنّ البلاد غداة أصبح ثاوياً … كادت تعود جبالها كصفائها
ترك المسامع فقده مستكّةً … وشجا النّفوس وحال دون عزائها
فاليوم شاغبت النّفوس حرارةٌ … كالنّار موصدةً على أحشائها
واليوم أظلمت البلاد وربّما … كشفت بغرّته دجى ظلمائها
واليوم أصبحت الأرامل ولّهاً … تدعو وما ظلمت بطول شقائها
كانت تعوذ من الشّتاء إذا شتت … بفنائه وتعيش في أذرائها
وتبيت آمنةً لدى حجراته … كحمام مكّة قطّناً وظبائها
أفنى البكاء على الإمام محمّدٍ … ماء العيون فأستعدت بدمائها
لمّا استنار ببطن مكّة هلكه … حنّ التّراب إليه من بطحائها
فرحت بطون الأرض إذ كسيت به … نوراً جلا ظلماتها بجلائها
وبكت أمير المؤمنين ظهورها … إذ غاب زين عشيّها وضحائها
كانت خلافته خلافة رحمةٍ … حتّى مضت أيّامه لمضائها
ما مرّ من يومٍ عليه وليلةٍ … إلاّ تدفّق كفّه بعطائها
روّى الظّماء بوادياً وغوادياً … عفواً بأرشية النّدى ودلائها
عمّ الصّحاح بعدله وبعرفه … وشفى المراض بسيفه من دائها
وصلت جناحي من فواضل سيبه … سبعون ألفاً راشني بحبائها
فلأتبعنّ له المديح مراثياً … يبقى على المهديّ حسن ثنائها
أثني لأجزيه أيادي عرفه … عندي ولست ببالغ لجزائها
أقلي الحياة إذا رأيت قصوره … غبراً خواشع بعد طول بهائها
وجياده قد عرّيت وقبابه … مختلّةً عرصاتها لخلائها
فقدت مشرّفها الجياد فأصبحت … تبكيه عند صباحها ومسائها
ففحولهنّ عن الحجور ذواهلٌ … وحجورهنّ تصدّ عن أفلائها
سقيت على الظّمإ القراح لفقدها … من كان يعرضها على أسمائها
ولقد تراها والحليب صبوحها … وغبوقها في قيظها وشتائها
قلعت لترك ركوبها غلمانها … ولقد ترى ثبتاً على أقرائها
القلع: الذي لا يستقر على سرج.
يا من علا شمس النهار لفقده … رهج القتام فحال دون ضيائها
إنّ القبور قديمها وحديثها … لصداك فاضلةٌ على أصدائها
ما حفرةٌ أسنى وأكرم ساكناً … من حفرةٍ حدروك في أرجائها
إلاّ الّتي أمسى النبيّ محمّدٌ … فيها فإنّ لتلك فضل سنائها
يا ليت نفسي قبل نفسك غالها … ريب المنون فحال دون ثوائها
وبقيت ما بقي النّهار لأمّةٍ … ما إن تملّ عليك طول بكائها
فجعت بسيرتك الرّعيّة بعدما … أنسيتها الماضين من خلفائها
ألبستها كنفي رؤوفٍ حافظٍ … حرم الحقوق، موكّلٍ بأدائها
يمشي اليتامى في ذراه كأنّما … يأوي المبيت بها إلى آبائها
لولا أبنك الكافي الخطوب لأدبرت … عنّا بقيّة عيشنا برخائها