التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب مراث من أشعار المحدثين

الجزء ١ · صفحة ٤٨

فما زال ذلك دأب الزّما … ن حتّى أماتهم أجمعينا

وحتّى بكى لي حسّادهم … وقد أتعبوا بالدّموع العيونا

وحسبك من حادثٍ بامريءٍ … ترى حاسديه له راحمينا

رأيت بنيّ على ظهرها … فصاروا إلى بطنها ينقلونا

فمن كان يسليه مرّ السّنين … فحزني تجدّده لي السّنونا

وقال فيهم: الكامل

يا ستّةً أودعتهم حفر البلى … لخدودهم تحت الجبوب وساد

منعوا جفوني أن يصافح بعضها … بعضاً فهنّ وإن قربن بعاد

لمّا بقيت عماد بيتٍ مفرداً … قد أسلمت أطنابه الأوتاد

لم تبق عينٌ أسعدت ذا عبرةٍ … إلاّ بكت حتّى بكى الحسّاد

ماذا أرجّي بعد خمسٍ بعدها … ستّون أكملها لي الميلاد ؟

وسطت عليّ من الزّمان يدٌ بها … فلّ الجميع وغيّب الأولاد

وقال يرثي أخته: الطويل

لقد خانني صبري بأمّ محمّدٍ … فلم يبق لي إلاّ التّأسّف من جهدي

؟سوى أنّ صدري تحته مستكنّةٌ من الحزن ما تبقي على الرّجل الجلد

وإنّي مذ اليوم الّذي لم أطق به … عن ابنة أمّي مدفعاً لعلى وعد

وقال يرثي محمد بن عباد بن حبيب بن المهلب: الطويل

محمّد إن آنست منّي جانبا … بقربٍ لقد أوحشت بالبعد جانبا

وقد عظمت فيك المصائب إنّها … تصغّر عندي في سواك المصائبا

سلوت به عمّن تقدّم قبله … وآليت أصفي بعده الودّ صاحبا

ستبكيك أخلاق المروءة إنّها … مغيّبةٌ ما دمت عنهنّ غائبا

وقال يرثي ابنه سليمان، وكان نفيساً من ولده: الطويل

سليمان والله الّذي أنا عبده … لقلبي عليلٌ ما بقيت حزين

تقاضاك دهرٌ فاقتضاك بدينه … وللدّهر في نفسي عليّ ديون

فقرّت عيونٌ كنت شمل جفونها … وجادت بحزنٍ بالدّماء عيون

فليس على دهرٍ مجيرٌ إذا عدا … بكرهٍ، ولا خلقٌ عليه معين

دفنت بكفّي بعض نفسي فأصبحت … لها دافنٌ من نفسها ودفين

فللّه ما أعطى ولله ما حوى … وأحر بأمرٍ كائنٍ سيكون

فيا فجعة الدّنيا بمن شبت بعده … فسيّان مضنونٌ به وضنين

وقال يرثي صديقاً له يقال له عيسى بن القاسم: الطويل

بكت عين من لم يبك عيسى بن قاسمٍ … بأربعةٍ حتّى تجفّ نواظره

فتىً غاب عنه أقربوه فلم يكن … له من يحامي دونه ويؤازره

مررت على ربعٍ له بعد موته … فباطنه يشكو الخراب وظاهره

تكاد مغانيه تقول لفقده … لسائلها عن أهله: مات عامره

سلامٌ على الإخوان والعيش بعده … ومن كنت أصفيه الهوى وأعاشره

ومن كان يسلي الهمّ عنّي حديثه … إليّ إذا ضاقت بأمري مصادره

فإن أسل عن شيءٍ فما عنه سلوةٌ … ومهما أضيّعه فإنّي ذاكره

وقال في ابن له يكنى أبا عمرو مات في آخر ولده قصيدةً يطيلها، اخترت منها هذه الأبيات: الطويل

لقد شمت الأعداء بي وتغيّرت … عيونٌ أراها بعد موت أبي عمرو

تجرّا عليّ الدّهر لمّا فقدته … ولو كان حيّا لاجترأت على الدّهر

أسكّان بطن الأرض لو يقبل الفدى … فديتم وأعطينا بكم ساكني الظّهر

فيا ليت من فيها عليها وليت من … عليها ثوى فيها مقيماً إلى الحشر

فماتوا كأن لم يعرف الموت غيرهم … فثكلٌ على ثكلٍ وقبرٌ إلى قبر

وقال دعبل بن علي الخزاعي يرثي أبا القاسم نصر بن حمزة: البسيط

كانت خزاعة ملء الأرض ما اتّسعت … فقصّ مرّ اللّيالي من حواشيها

هذا أبو القاسم الثّاوي ببلقعةٍ … تسفي الرّياح عليه من سوافيها

٤٨ / ٧٩