باب مراث من أشعار المحدثين
الجزء ١ · صفحة ٤٧قال أبو العباس: كتب الحسن بن وهب إلى الأمير محمد ابن عبد الله بن طاهر يعزيه عن مصيبة: بسم الله الرحمن الرحيم، أطال الله بقاء الأمير مسروراً غير محزون، ومعطىً غير، مسلوب، ووفقه في أحواله كلها لما يستديم به النعمة، ويستحق عنده المثوبة. أفظعني أعز الله الأمير ما رأيت بالأمير جعلني الله فداءه من هذه الرزية التي كادت تكون أشبه بالنعم منها بالرزايا، لما وفر الله، إن شاء الله، للأمير أيده الله من ثوابها، وبقى له في نفسه حاطه الله من بعدها. فإن حياة الأمير مد الله في عمره حياة لأهله وذوي تأميله، بعد الذي جعل الله للدين والخلافة من الأنس والعز بسلامته، وللأمة من جيل مكانه وموضعه، ووفر الله للأمير، ولا نقصه وتولاه بحسن المدافعة عنه والحياطة، ولا أراه سوءاً في نفس ولا حميم، بقدرته وهذه جعلت فداء الأمير أبيات ينظر فيها أيده الله عند نشاطه إن شاء الله: مجزوء الكامل
قل للمجير على الدّهور … ومقيل ذي الجدّ العثور
ولمن يصغّر كبره … مستعظم الخطب الكبير
حتّى يرى بعد الجلا … لة منه في حال الصّغير
إنّ الأمير أجلّ قد … راً في ملمّات الأمور
من أن تفيض دموعه … لفراق إلفٍ أو عشير
لا، بل يكون مسلّماً … لحكومة الملك القدير
ويبثّه منه الرّضى … عنه بإخلاص الضّمير
والصّبر في البلوى فيع … طى وافياً أجر الصّبور
والشّكر في النّعمى يغ … نم ما يضاعف للشّكور
فالله ينسئ عمره … في منتهى رتب الحبور
وإذا بكت غزر العيو … ن فلا بكت عين الأمير
لا بل تبيت قريرةً … أبداً على برد السّرور
ماذا بعبدك مذ رآ … ك من الكآبة والفتور
عبدٌ يراك وليّ نع … مته إلى يوم النّشور
ويراك جابر ما وهى … من عظمه ذاك الكسير
ويجنّ ودّاً، خبره … عند العليم به الخبير
قال: وكان الحسن بن وهب يقدم حبيب بن أوس أبا تمام الطائي تقديماً يتجاوز فيه، ولا يرى له في الشعر نداً قديماً فضلاً عن حديث. فأتاه خبر موته بالموصل فرثاه بشعر سلك فيه مثل طريقه، وترك مذهبه في السهولة والبيان وألفاظ الكتاب فقال: الوافر
سقى بالموصل القبر الغريبا … سحائب ينتحبن له نحيبا
إذا ظلّلنه أطلقن فيه … شعيب المزن تتبعها شعيبا
الشعيب: المزادة التي يحملها البعير.
ولطّمت البروق لها خدوداً … وشقّقت الرّعود لها جيوبا
فإنّ تراب ذاك القبر يحوي … حبيباً كان يدعى لي حبيبا
لبيباً شاعراً فطناً أديبا … أصيل الرّأي في الجلّى أريبا
إذا شاهدته روّاك ممّا … يسرّك رقّةً منه وطيبا
أبا تمّامٍ الطّائيّ إنّا … لقينا بعدك العجب العجيبا
فقدنا منك علقاً لا نرانا … نصيب له مدى الدّنيا ضريبا
وكنت أخاً لنا يدني إلينا … ضمير الودّ والنّسب القريبا
وكانت مذحجٌ تطوى علينا … جميعاً ثمّ تنشرنا شعوبا
فلمّا بنت نكّرت اللّيالي … قريب الدّار والأقصى الغريبا
وأبدى الدّهر أقبح صفحتيه … ووجهاً كالحاً جهماً قطوبا
فأحر بأن يطيب الموت فيه … وأحر، بعيشةٍ ألاّ تطيبا
وقال أبو عبد الرحمن العتبي يرثي بنيه: المتقارب
أما يزجر الدّهر عنّا المنونا … يبقّي البنات ويفني البنينا
وأنحت عليّ بلا رحمةٍ … فلم تبق فوق غصوني غصونا
وكنت أبا ستّةٍ كالبدور … وقد فقؤوا أعين الحاسدينا
فمرّوا على حادثات المنون … كمرّ الدّراهم بالنّاقدينا
فألقين ذاك إلى صارخٍ … وألقين ذاك إلى ملحدينا