التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب مواعظ وتعاز وأشعار

الجزء ١ · صفحة ٥٠

؟وغنينا كابني نويرة يوماً في رخاءٍ ولذّةٍ واتّفاق

ثمّ صرنا لفرقةٍ ذات بعدٍ … كلّ حيٍّ مصيره لفراق

وقال أيضاً يرثيه: الكامل

صلّى الإله على أمريءٍ فارقته … بالشّام في حدّ الضّريح الملحد

بوّأته بيديّ دار مقامةٍ … نائي المحلّة عن مزار العوّ؟د

ولئن تركتك يا محمّد ثاوياً … لبما تروح مع الكرام وتغتدي

وغبرت أعوله وقد أسلمته … لسفى الأماعز والمزار الأبعد

وأرى الوفود لدى المنازل من منىً … شهدوا وإنّك غائبٌ لم تشهد

أعني ابن عروة إنّه قد هدّني … فقد ابن عروة هدّةً لم تقصد

والمرء رهن منيّةٍ يدعى لها … لا بدّ أسرع من رداء المرتدي

وإذا ذهبت إلى العزاء أريده … غلب العزاء وحيل دون تجلّدي

غلب التّعزّي أنّني لفراقه … لبس العدوّ عليّ جلد الأربد

وقال البعيث ومات ابن له فقال يرثيه بشعر حفظ منه بيت استحساناً: الطويل

فصادف منّي غصّةً لا يسيغها … شرابٌ ولم يذهب مرارتها العسل

وأخبرنا عن مخلد بن حمزة عن عبد الملك بن عمير قال: دخل عبد الله ابن الزبير على أمه، أسماء ابنة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما فقال: يا أمه، قد خذلني الناس، فلم يبق معي إلا من ليس عنده من المنع أكثر من صبر ساعة، والقوم يعطونني ما أردت. فما رأيك ؟ قالت: يا بني، أنت أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق، وإليه تدعو، فامض على حقك، ولا تمكن غلمان بني أمية من نفسك. فقال: وفقك الله، هذا رأيي، وإني لحسن الظن بربي، فإن هلكت فلا يشتد جزعك علي، فإن ابنك لم يتعمد إتيان دنية، ولا عملاً بفاحشة، ولم يسع بغدر، ولم يجر في حكم، ولم يكن شيء آثر عنده من رضى ربه. اللهم إني لا أقول هذا تزكيةً لنفسي. أنت أعلم بي. ولكن أقوله لتسلو عني.

ويروى أنه خرج فحمل على أهل الشام وهو يتمثل: الطويل

فلست بمبتاع الحياة بسبّةٍ … ولا مرتقٍ من خشية الموت سلّما

وقال رحمه الله تعالى: الرجز

يا أمّ إن متّ فلا تبكيني … الدّرع والبيضة لا تنجيني

من قدر الله إذا يأتيني … قد علم الأعبد أنّ دوني

ضرباً كإيزاغ المخاض الجون … إيهاً شمالي عاوني يميني

فإن كرهت صحبتي فبيني … فإنّما يضنّ بالضّنين

وتحدث عن سفيان بن عيينة قال: رأى سعيد بن جبير ابنه يطوف بالبيت فقال: هذا أعز الخلق علي، وما شيء أسر إلي من أن يكون في ميزاني.

وأخبرنا عن عامر بن حفص قال: جزع القلاخ بن حزن على أخيه جحناء فقال: الطويل

أعاذل من يرزأ كجحناء لا يزل … حزيناً، ويزهد بعده في العواقب

ثمال أناسٍ كان يجمع بينهم … ويدفع عنهم كلّ أبلخ شاغب

الأبلخ: المتكبر. وقال ضمرة بن ضمرة: المتقارب

ماويّ لست برعديدةٍ … أبلخ جاد على المعدم

وقال عن الحسن بن دينار: جزع رجل على ابن له، فشكا ذلك إلى الحسن بن أبي الحسن فقال له الحسن: هل كان ابنك هذا يغيب عنك ؟ قال: نعم كانت غبته عني أكثر من حضوره قال: فأنزله غائباً، فإنه لم يغب عنك غيبةً، الأجر لك فيها، أعظم من هذه الغيبة.

ومن غير هذا الإسناد أنه قال: فأنزله غائباً عنك، فإنه إن لم يقدم عليك قدمت عليه. قال: يا أبا سعيد، قد هونت من وجدي على ابني.

وأخبرني عن أبي إسماعيل الهمداني عن مجالد عن الشعبي قال: مات ابن لشريح فلم يشعر أحد بموته، ولم يصرخ عليه أحد، فغدا قوم إلى شريح يسألونه عن ابنه فقالوا: كيف أصبح مريضك يا أبا أمية ؟ قال: قد سكن علزه، ورجاه أهله، وما كان منذ اشتكى أسكن منه الساعة.

والعلز: شدة القلق.

وقال: أحد بني كليب: البسيط

وإن رأيت سهيلاً ظلت مكتئباً … كأنّني راقبٌ للنّجم أو علز

وأخبر عن أبي عمرو بن يزيد قال: احتضر رجل فوضع رأسه في حجر أخيه، فدمعت عين أخيه فقطرت قطرة من دموعه على خد المريض، فأفاق من غشيته، فنظر إلى أخيه يبكي فقال: الطويل

٥٠ / ٧٩