التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب مواعظ وتعاز وأشعار

الجزء ١ · صفحة ٥١

أخيّين كنّا فرّق الدّهر بيننا … إلى الأمد الأقصى ومن يأمن الدّهرا ؟

وتحدث عن عمر بن غياث عن محمد بن حرب قال: كتب إبراهيم بن أبي يحيى إلى بعض الخلفاء يعزيه: أما بعد. فإن أولى من عرف حق الله عليه فيما أخذ منه، من عظم حق الله جل وعز عنده فيما أبقى له. واعلم أن الماضي قبلك الباقي لك، وأن الباقي بعدك هو المأجور فيك، وأن أجر الصابرين فيما يصابون به أعظم من النعمة عندهم فيما يعافون منه.

وقال عمر بن غياث: عزى رجل قوماً فيهم نصراني فقال: مثلي لا يعزيك، ولكن انظر إلى ما زهد فيه الجاهل فارغب فيه.

قال الأصمعي: حدثني معتمر بن سليمان أن أخاً له مات، قال: فكنت أرغب إلى الله عز وجل أن أراه في نومي، فذكرت ذلك لشعيب بن الحبحاب فقال: إن الحزن ينضو عن آدم كما ينضو صبغ الثوب، ولو بقي على ابن آدم قتله.

وقال الأصمعي: سمعت بعض المحدثين يقول: نعي مجزأة بن ثور السدوسي إلى أخيه شقيق بن ثور فكأنه لم ير ذلك فيه، فقال له صاحب البريد: هل نعاه إليك أحد قبلي قال: نعم، قد خبرنا الله جل ذكره أنا كلنا سنموت.

وقال الأصمعي: ماتت امرأة عبد الله بن مطرف بن عبد الله بن الشخير، فتبخر ولبس حلةً، فقالوا له في ذلك، فقال: أكره أن أستكين للمصيبة.

وقال أبو الحسن المدائني عن سعيد بن عبد العزيز: إن مسلمة بن عبد الملك كان له صديق يقال له شراحيل، فمات، فجزع عليه وخرج فصلى عليه ودخل قبره فلما خرج أناه المعزون، وفيهم عبد الله بن عبد الأعلى، فعزاه، فبكى مسلمة وقال: الطويل

وهوّن وجدي على شراحيل أنّني … إذا شئت لاقيت أمرءاً مات صاحبه

وقال القاسم بن الوليد: حدثني أبي، الوليد بن خلف، أن الحجاج بن يوسف أوفد مالك بن أسماء بن خارجة إلى عبد الملك بن مروان فدخل عليه فسمع صوارخ في داره، فقال: ما هذه الصوارخ يا أمير المؤمنين ؟ فقال له عبد الملك: مات أبان بن عبد الملك في هذه الليلة، فقال له مالك: آجرك الله يا أمير المؤمنين، فوالله ما على ظهر الأرض أهل بيت أعظم مرزئة واحد على الناس ولا الله أكفى لهم بالواحد الباقي من أنفسهم منكم أهل البيت. فأعجب عبد الملك كلامه، فاستعاده، وفضله على أصحابه.

وكان الحجاج لا يستعمل مالكاً لإدمانه الشراب واستهتاره فكتب عبد الملك إلى الحجاج: إنك أوفدت إلي رجل أهل العراق فوله واستعمله وأكرمه.

قال أبو الحسن المدائني عن عامر بن الأسود وغيره أن الحجاج رأى في منامه كأن عينيه ذهبتا. فلما طلق هند ابنة أسماء، وهند ابنة المهلب ظن أنها تأويل رؤياه. فلما مات ابنه محمد وأتاه موت محمد أخيه قال هذا تأويل رؤياي من قبل.

وأخبر المدائني عن أبي محمد بن عمرو الثقفي قال: لما مات محمد بن الحجاج جزع عليه فقال: إذا غسلتموه فآذنوني به. فأعلموه به فدخل البيت فنظر إليه فقال: الكامل

الآن لمّا كنت أكمل من مشى … وأفترّ نابك عن شباة القارح

وتكاملت فيك المروءة كلّها … وأعنت ذلك بالفعال الصّالح

فقيل له: اتق الله واسترجع، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون وقرأ: الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون.

وأتاه موت محمّد بن يوسف وكان بينهما جمعةٌ، فقال: الطويل

حسبي حياة الله من كلّ ميّتٍ … وحسبي بقاء الله من كلّ هالك

إذا ما لقيت الله ربّي مسلماً … فإنّ نجاة النّفس فيما هنالك

وجلس الحجاج للمعزين ووضع بين يديه مرآة، وولى الناس ظهره وقعد في مجلسه، فكان ينظر إلى ما يصنعون، فدخل الفرزدق فلما نظر إلى فعل الحجاج تبسم، فلما رأى الحجاج ذلك منه قال: أتضحك وقد هلك المحمدان فأنشأ يقولك الطويل

لئن جزع الحجّاج ما من مصيبةٍ … تكون لمحزونٍ أجلّ وأوجعا

من المصطفى والمصطفى من خيارهم … جناحيه لمّا فارقاه فودّعا

أخٌ كان أغنى أيمن الأرض كلّها … وأغنى أبنه أمر العراقين أجمعا

جناحا عقابٍ فارقاه كلاهما … ولو قطّعا من غيره لتضعضعا

سميّا نبيّ الله سمّاهما به … أبٌ لم يكن عند النّوائب أخضعا

٥١ / ٧٩