باب مواعظ وتعاز وأشعار
الجزء ١ · صفحة ٦٠وقال محمد بن كناسة عن خشاف الفقعسي قال: حدثتني أمي قالت: دخلت علينا عجوز للحي اسمها بادية ورحال إخوتي ثمانية في جانب البيت فقالت لي لمن هذه الرحال ؟ أنزل بكم الليلة ركب ؟ قلت: هذه رحال إخوتي. فقالت: لقد ولدت لك أمك حزناً طويلاً. قالت: وصدقت بادية، ذهبت نفسي عليهم قطعاً. وأنشدت: الكامل
ذهبوا بنفسي أنفساً إذ فارقوا … فالعيش بعد منغّصٌ مذموم
وقال عمر بن غياث: أخبرني الثقة قال: دفن أعرابي ابنا له، فلما أجنه وقف على قبره وأنشأ يقول: الكامل
لمّا مشى ورجوته لغدٍ … وطمعت أن يقوى به أزري
ويكون من أعمامه خلفاً … فيقول بعد تأطّرٍ ظهري
رشقته عن قوسٍ منيّته … فغدا رهينة مظلم القعر
قد كان يضرب من مضى مثاً … وجد الثّكول وكنت لا أدري
ما ذاك حتّى ذقت لوعته … فألذّ منها لوعة الصّبر
وخرج رجل مع خالد بن الوليد بدومة الجندل، فاستشهد فجزع عليه أبوه فبكاه حتى كثر عليه بكاؤه، فليم في ذلك وعوتب، فقال: دعوني أبكي عليه ما أسعدتني عيني، فإن دموعها ستنفد وتبلى كما ذهب نافع وبلي. وقال يرثيه: الكامل
ما بال عيني لا تغمّض ساعةً … إلاّ اعترتني عبرةٌ تغشاني
أرعى نجوم اللّيل عند طلوعها … وهناً وهنّ من الغيار دوان
يا نافعاً من للفوارس أحجمت … عن شدّةٍ مذكورةٍ وطعان ؟
فلو أستطيع جعلت منّي نافعاً … بين اللّهاة وبين عكد لساني
يا نافعاً من للفوارس إذ ثووا … في يوم بؤسٍ أو ليوم ليان ؟
قال أبو الحسن: حدثني كليب بن خلف عن إدريس بن حنظلة قال: أصيب عمرو بن كعب النهدي بتستر مع مجزأة بن ثور فكتموا أباه الخبر ثم علم بعد فلم يجزع وقال: الحمد لله الذي جعل من صلبي من أصيب شهيداً وقال: الوافر
فهل تعدو المقادر يا لقومي … هلاك المال أو فقد الرّجال !؟
فكلاًّ قد لقيت وقلّبتني … صروف الدّهر حالاً بعد حال
فما أبقين منّي غير نضوٍ … به أثر الرّحالة والحبال
عروفٍ كلّما جلبت قروحٌ … به نكئت بأعدالٍ ثقال
ثم استشهد ابن له آخر يقال له حمل مع سعيد بن العاصي بجرجان فبلغه فقال: الحمد لله الذي توفى مني شهيداً. وقال: الطويل
جزى حملاً جازي العباد كرامةً … وعمرو بن كعبٍ خير ما كان جازيا
خليليّ وابنيّ اللّذين تتابعا … شهيدين كانا عصمتي ورجائيا
ومن يعطه الله الشّهادة يعطه … بها شرفاً يوم القيامة عاليا
وقال محمد بن كناسة: زوج زبان بن منصور الحسن بن علي بن أبي طالب خولة ابنة زبان، فمكثت عنده حولاً لا تكتحل ولا تدهن حتى وضعت له ابناً، فاكتحلت وتهيأت له: فقال لها الحسن: ما حملك على ما صنعت ؟ فقالت: كرهت أن تقول النساء: احتفلت فلم تصنع شيئاً. فأما إذ جاء هذا فما أبالي ما كان. فقال لها الحسن: وابأبي أنت ! فلما مات الحسن اشتد جزعها عليه، فقال زبان: الكامل
نبّئت خولة أمس قد جزعت … من أن تنوب نوائب الدّهر
لا تجزعي يا خول واصطبري … إنّ الكرام بنوا على الصّبر
قال: وحدثني رجل من بجيلة عن امرأة من بني العنبر يقال لها مهدية، قال: وكان لها بنون وإخوة فهلكوا حتى بقي لها ابن فمات فقالت: الوافر
أمنجاب الأكارم من لركبٍ … أناخوا جنبةً ودنوا أصيلا ؟
أمنجاب الأكارم عد إلينا … لكي نشفي برؤيتك الغليلا
كأنّك لم تقل للرّكب سيروا … ولم ترحل عذافرةً ذمولا
وقال عن علي بن سليمان عن الحسن قال: الخير الذي لا شر فيه الشكر مع العافية، والصبر عند المصيبة. فكم من منعم عليه غير شاكر، ومبتلى غير صابر.
وقال أبو الحسن: قال جهم بن حسان: بلغني أن توسعة بن أبي عتبان جزع على أخيه عتبة فقال يبكيه: الكامل
منع الرّقاد تحوّبي ما أهجع … ونبا بجنبي عن فراشي مضجع