التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب مواعظ وتعاز وأشعار

الجزء ١ · صفحة ٥٩

وقال أبو الحسن المدائني عن المنهال بن عبد الملك، مولى بني أمية حبس هشام بن عبد الملك عياض بن مسلم كاتب الوليد بن يزيد وضربه وألبسه المسوح فلم يزل محبوساً مدة هشام، فلما ثقل هشام وصار في حد من لا يرجى برؤه رهقته غشية، فظنوا أنه قد مات، أرسل عياض ابن مسلم إلى الخزان أن احتفظوا بما في أيديكم، فلا يصلن أحد إلى شيء وأفاق هشام من غشيته، فأرسل يطلب شيئاً من الخزان فمنع. فقال هشام: أرانا كنا خزاناً للوليد، وخرج عياض من ساعته من الحبس، فختم الأبواب والخزائن، وأمر بهشام فأنزل عن فرشه، ومنعهم أن يكفنوه من الخزائن. فكفنه غالب، مولى هشام، ولم يجدوا قمقماً يسخن فيه ماء حتى استعاروه، فقال الناس: إن هذه لعبرةً لمن اعتبر.

قال أبو الحسن عن عبد الله بن قائد عن أشياخ بني تميم قالوا: خرج إياس ابن قتادة يوم الجمعة من المسجد فنظر إلى السماء ثم قال: مرحباً بك، قد كنت أنتظر مجيئك ! ثم سقط فحمل إلى أهله، فمات. فحمل إلى ملحوب فدفن بها، فبها قبره.

وقال أبو المنذر عن عمه عامر بن حفص قال: قيل للربيع بن خشيم حين ثقل: ألا ندعو لك أصحاب الطب ؟ فقال: قد أردت ذلك ثم ذكرت عاداً وثمود وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً، وعلمت أنه كان فيهم الداء والمداوي. فهلكوا جميعاً.

وقال أبو مخنف: مرض معبد بن طوق العنبري فجزع فقيل له: كأنك تخاف أن تموت ! فقال: إي والله، ما أمرض إلا خفت ذاك. قيل له: ولم ؟ قال: لأني قد استأنيت احتضار المدة، وانقضاء العدة، وتمام الظمأ واتجاه القرب.

وقال عوانة عن الأسود بن عبيد: قال أبو قيس بن الأسلت عند الموت: اللهم، إنك تعلم أني لم أقطع رحماً، ولم أشرب بإناء غادر، ولم أصب بكنة ولم أبت ليلةً جنباً حتى أصبح، فاغفر لي.

وقال الحرمازي: هلك لرجل من أهل البادية ابنان، فسئل عن جزعه عليهما فقال: كنت أتوهمهما حتى كأن الأرض تنشق عنهما فأنظر إليهما. قيل له: ثم مه ؟ قال: ثم كان جرحاً فبرأ.

وقال أبو الحسن: أخبرني بعضهم قال: أتيت امرأةً أعزيها عن ابنها. قال فجعلت تثني عليه فقالت: كان، والله، ماله لغير بطنه، وأمره لغير عرسه، وكان: الطويل

رحيب الذّراع بالّتي لا تشينه … وإن كانت الفحشاء ضاق بها ذرعا

قال: فقلت لها: هل لك منه خلف ؟ وأنا أعني الولد قالت نعم، بحمد الله كثير، طيب ثواب الله عليه، ونعم العوض من الدنيا والآخرة.

وقال: دخل درواش بن حبيب العجلي على جعفر بن سليمان يعزيه بأخيه محمد بن سليمان، فلما نظر إليه جعفر قال: إن كان عند أحد فرج فعند درواش. فسلم ثم قال: أيها الأمير، التمس ثواب الله بحسن العزاء، والشكر لأمر الله، واذكر مصيبتك في نفسك تنسك فقد غيرك واذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: من أصابته مصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها من أعظم المصائب. واذكر قول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: إنك ميت وإنهم ميتون، وقوله تعالى وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد. وخذ بقول عبد الله بن أراكة في أخيه عمرو: الطويل

تفكّر فإن كان البكا ردّ هالكاً … على أحدٍ فاجهد بكاك على عمرو

ولا تبك ميتاً بعد ميتٍ أجنّه … عليٌّ وعبّاسٌ وآل أبي بكر

قال: وهلك أخ لبعض الأعراب فأظهر له الشماتة بعض بني عمه، فأنشأ الأعرابي يقول: الكامل

ولقد أقول لذي الشّماتة إذ رأى … جزعي، ومن يذق الفجيعة يجزع

اشمت فقد قرع الحوادث مروتي … وافرح بمروتك الّتي لم تقرع

إن تبق تفجع بالأحبّة كلّهم … أو تردك الأحداث إن لم تفجع

قال: ومات بنون لا مرأة تباعاً فكلمناها، فحدثتنا ساعة ثم ضحكت، فقالت لها امرأة: أتضحكين! أجنون بك أم فند ! قالت: لا، وأبيك، ولكن الشر لم يجد لي مزيداً.

قال أبو الحسن المدائني: وأنشد ابن كناسة: الطويل

لا تجزعي يا أمّ زيدٍ فإنّه … ستأتي المنايا كلّ حافٍ وذي نعل

فلولا الأسى ما بتّ في النّاس ليلةً … ولكن إذا ما شئت جاوبني مثلي

٥٩ / ٧٩