باب الجفاة عند الموت
الجزء ١ · صفحة ٦٢قال أبو عبد الرحمن التميمي: جاء رجل من كلب برأس زياد بن عمرو العقيلي إلى مروان، فقال له مروان: من قتل هذا ؟ قال: أنا. قال: كذبت ! هذا أشرف وأشجع من أن تقتله. قال: أنا، والله، قتلته، مر بي يعدو به فرسه وهو يقول: مشطور الرجز
قد طاب ورد الموت مروان فرد … لا تحسبنّ العيش أدنى للرّشد
لا خير في طول الحياة في كبد
فطعنته فسقط، ثم نزلت إليه وهو يجود بنفسه ويقول: السريع
بعداً وسحقاً لامريءٍ عاش في … ذلٍّ وفي كفّيه عضبٌ صقيل
وقال يزيد بن قحيف: لما قتل حلحلة بن قيس وسعيد بن عيينة من قتلا من كلب، رجعوا إلى خيبر فأقاموا. فلما ظفر عبد الملك استعداه الكلبيون وقالوا: دماءنا ! فأخذ عبد الملك سعيداً وحلحلة. فأما سعيد فكان يسبح ويستغفر، وأما حلحلة فقال: أرحنا منك يا بن الزرقاء، فلو ملكتها منك لما تركتك طرفة عين. وقال: الطويل
إن أك مقتولاً أقاد برمّتي … فمن قبل قتلي ما شفى نفسي القتل
وقد تركت حربي رفيدة كلّها … محالفها في دارها الجوع والذّلّ
ومن عبد ودٍّ قد أبرت قبائلاً … فغادرتهم كلاًّ يطيف به كلّ
وقال أيضاً: الطويل
لعمري لئن شيخا فزارة أسلما … لقد خزيت قيسٌ وقد ظفرت كلب
فلا تأخذوا عقلاً وخصّوا بغارةٍ … بني عبد ودٍّ بين دومة والهضب
سلامٌ على حيّي عديٍّ ومازنٍ … جميعاً وخصّا بالسّلام أبا وهب
أبو وهب هو زبان بن منظور بن زبان. فقال لما بلغه قوله وخصا بالسلام أبا وهب: رحمك الله أبا ثوابة، لقد كفيتنا العار والنار، وأدركت الثار، وللقوم فينا فضل، فلم تخصصنا عليهم، وقد ظلمتهم !.
فلما دعي به ليقتل قيل له: أصبر حلحل، فبرك وقال: الرجز
أصبر من عودٍ بجنبيه الجلب … قد أثّر البطان فيه والحقب
وقال: الرجز
أصبر من ذي ضاغطٍ عركرك … ألقى بواني زوره للمبرك
ومد عنقه فقتله رجل من بني عبد ود.
وقال عوانة ويزيد بن عياض أن مسلم بن عقبة المري لما قتل أهل المدينة وتوجه إلى مكة فنزل به الموت بثنية هرشا أو بقفا المشلل فدعا حصين بن نمير السكوني فقال: يا برذعة الحمار، إن أمير المؤمنين عهد إلي إن نزل بي الموت أن أوليك، وأكره خلافه عند الموت، ولولا ذلك لكان الوالي حبيش بن دلجة فإنه أولى بذلك منك. احفظ عني ما أقول لك: لا تطيلن المقام بمكة، فإنها أرض جردة محتدمة الحر، ولا تصلح الدواب بها، ولا تمنع أهل الشام من الحملة، ولا تمكن قريشاً من أذنك، فإنهم قوم خدع. ليكن أمرك الوقاف ثم الثقاف ثم الانصراف. ولئن دخلت النار بعد قتلي أهل الحرة إني إذن لشقي.
وقال عثمان بن الضحاك عن ذكوان مولى مروان قال: بعث يزيد بطبيب إلى مسلم فقال مسلم للطبيب: ويحك، إنما كنت أحب أن أبقى حتى أشفي نفسي من قتلة عثمان، وقد أدركت ما أردت. فما شيء أحب إلي من الموت على طهارتي قبل أن أحدث حدثاً. فإني لا أشك في أن الله عز وجل طهرني من ذنوبي بقتل هؤلاء الأرجاس.
وقال ابن جعدبة: قال مسلم بن عقبة وهو بالموت لحصين بن نمير: إنك تقدم على قوم لا عدة ولا سلاح لهم، جبال مشرفة عليهم، فانصب عليهم المنجنيق في موضعين بين جبلين فإن تعوذوا بالبيت فارمه، فما أقدرك على بنائه. ومات.
وقال حمزة بن إبراهيم بن مضرس: قيل لرجل من بني قريع: قل لا إله إلا الله وقدم خيراً فقال: البسيط
يا ربّ قائلةٍ يوماً وقد لغبت … كيف الطّريق إلى حمّام منجاب
ومات من ساعته.
وقال عبدة العنبري: قيل لعبد الله بن شعبة بن القلعم: لو قدمت لنفسك خيراً، فقال لبنيه: يا بني إن قوماً يقولون لكم بعدي: اقضوا دين أبيكم عنه، فلا تفعلوا، فإن لأبيكم ذنوباً كلها أعظم من الدين. اللهم، إن تغفر تغفر جماً. فبكت امرأته، فقال: لا تعصري عينيك علي، وإذا مت فاركبي بغلاً قوياً وطوفي اليمن وانظري أطول بني تميم رقبةً فتزوجيه. فلما هلك تزوجها أبو شيخ بن العرق الفقيمي.
وقال: لما حضرت لبيد بن ربيعة الوفاة قال لبني عمه: أسمعوني كيف تبكون علي. فقال رجال منهم أشعاراً لم يرضها، فقال بعضهم: الطويل