التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب الجفاة عند الموت

الجزء ١ · صفحة ٦٣

لتبك لبيداً كلّ قدرٍ وجفنةٍ … وتبك الصّبا من فاد وهو حميد

ولما حضرت الفرزدق الوفاة قال لأهله ومن اجتمع إليه من قومه: الوافر

أروني من يقوم لكم مقامي … إذا ما الأمر جلّ عن العتاب

إلى من تفزعون إذا حثيتم … بأيديكم عليّ من التّراب

فقالت مولاته له: إلى الله. فقال: وأنت تعيشين في مالي ؟! امحوا اسم الخبيثة من الوصية.

وقال المدائني: لما هلك الأحوص بن محمد بن عبد الله بن ثابت الأنصاري كان آخر ما قال، ورأسه في حجر جارية له يقال لها بشرة: الطويل

ما لجديد الموت يا بشر لذّةٌ … وكلّ جديدٍ تستلذّ طرائفه

فلا ضير إنّ الله يا بشر سائقي … إلى منزلٍ فيه تكون خلائفه

فلست وإن عيشٌ تولّى بجازعٍ … ولا أنا ممّا حمّل الموت خائفه

وقال عوانة: لما حضر بأخرة قيل له: قل لا إله إلا الله. قال: قد بلغ الأمر إلى هذا ؟ وقال مغلس بن عبد الله المحاربي: كنت بساباط فسمعت غلاماً يصيح واسيداه، يعني نوفل بن صالح مولى بني جعفر، فأتيته فإذا هو يجود بنفسه. فقلت: أبا صالح، قل لا إله إلا الله، فأبى وقال: الطويل

أيا ويح نفسي حسب نفسي الّذي بها … ويا ويح أهلي ما أصيب به أهلي

فقلت: قل لا إله إلا الله. فأبى، وجعل يردد هذا البيت حتى قبض.

وقال يونس بن حبيب: لما حضرت أخاه الأبح الكندي الوفاة قيل له: قل لا إله إلا الله، فلما أكثروا عليه جعل يتقلب على جنبه ويقول:

وقد حيل بين العير والنّزوان

وقال أبو عمرو المدني وغيره: إن سالم بن دارة وهي أمه، وأبوه مسافع بن عقبة، من بني عبد الله بن غطفان وقع بينه وبين زميل بن أم دينار وأبوه أبير، من بني فزارة شر، فضربه، فجرحه أبير، فأدخل المدينة، وحمل إلى عثمان بن عفان، فأمر عثمان الطبيب فنظر ما مبلغ جرحه ثم أمره فداواه، فأفاق من وجعه، فدست أم البنين بنت عيينة بن حصن وهي امرأة عثمان إلى الطبيب دينارين. وقال قوم: بل أعطاه ذلك منظور بن سيار فسم جرحه، فانتقض فقال لأبيه وهو بالموت يحضه على قتل منظور: البسيط

أبلغ أبا سالمٍ عنّي مغلغلةً … فلا تكوننّ أدنى القوم للعار

لا تأخذن مئةً منّي مكمّلةً … وإن أتاك بها تحدى ابن عمّار

لو كان زيدٌ هو المقتول لأعترفوا … وسط الدّيار غلاماً غير عوّار

ومات من يومه. فقال أبوه: إن ابني عقني في حياته، وكلفني تعباً بعد موته.

وقال أبو الحسن قال أبو العباس: وحدثنيه أبو عثمان المازني وحدث به أبو الحسن عن عبد الله بن مسلم قال: قيل لامرأة من بني نمير: أوصي فحدثني أبو عثمان المازني أنها قالت: ما أحب أن أوصي. قيل: إن لك في ذلك لأجراً، قالت: من الذي يقول: الوافر

لعمرك ما رماح بني نميرٍ … بطائشة الصّدور ولا قصار

قالوا: زياد الأعجم، قالت: وممن هو ؟ من بني نمير قالت: فثلثي لبني نمير.

وقال أبو الحسن عن كليب بن خلف قال: مرضت عجوز من بني نمير فأتوها بعطاء ابنها، وكان غائباً، فقالوا: هذا عطاء ابنك، وقد نقصناه درهمين. قالت: ولم ؟ قالوا: قتل رجل من بني نمير رجلاً من بني سلول، فحملنا الدية شيئاً تراضوا به، فتناولت درهمين آخرين فألقتهما إليهم وقالت: قولوا له يقتل آخر، وادفعوا هذين في الدية، فضحكوا وخرجوا، فما غابوا حتى ماتت.

وقال عوانة: قيل للحطيئة عند موته: لك مال فأوص منه للمساكين: قال: بل أوصيهم بإلحاف المسألة. قيل: فأعتق غلامك سيار. قال: هو عبد ما بقي على ظهر الأرض عبسي. قيل: فأوص فإن لك بنات. قال: مالي كله للذكور دون الإناث. قالوا: إن الله جل ذكره لم يقل هكذا. قال: لكني أقوله. وأوصيكم بالأيتام شراً، كلوا أموالهم، وانكحوا أمهاتهم، واحملوني على حمار، فلعلي لا أموت، فإنه لم يمت عليه كريم قط، وويل للشعر من رواية السوء.

وقيل له وهو يجود بنفسه: قل لا إله إلا الله، فتمثل قول الشماخ: الطويل

فظلّت بيمؤودٍ كأنّ عيونها … إلى الشّمس هل تدنو ركيٌّ نواكز

٦٣ / ٧٩