باب الجفاة عند الموت
الجزء ١ · صفحة ٦٤وقال أبو الحسن عن أبي خيران الحماني عن عوف الأعرابي عن أبي رجاء العطاردي قال: رأيت رجلاً مصطلم الأذن فقلت: أخلقة أم حادث ؟ قال: بل حادث. بينا أنا يوم الجمل أجول في القتلى، مررت برجل منهم ينشد: الطويل
لقد أوردتنا حومة الموت أمّنا … فما صدرت إلاّ ونحن رواء
أطعنا قريشاً ضلّةً من حلومنا … ونصرتنا أهل الحجاز عناء
لقد كان عن نصر ابن ضبّة أمّه … وشيعتها مندوحةٌ وغناء
أطعنا بني تيم بن مرّة شقوةً … وهل تيم إلاّ أعبدٌ وإماء
فقلت: من أنت ؟ قال: أدن مني أخبرك. فدنوت منه فأزم بأذني فقطعها وقال: إذا أتيت أمك فأخبرها أن عمير بن الأهلب فعل ذلك بي، ومات.
وقال أبو الحسن عن عامر بن حفص قال: بلغني أن رجلاً من بني الهجيم قال وهو بالموت: الرجز
كيف تراني والمنايا تعترك … تنهض أحياناً وحيناً تبترك
وقال أبو الحسن عن عامر بن الأسود: ثقل وكيع بن أبي سود فأشرف عليه عدي بن أرطاة وهو يومئذ أمير البصرة من دار الإمارة، فقال: كيف أصبحت يا أبا المطرف ؟ قال: أصبحت وثاباً جرياً، فضحك عدي ورجع. فما جلس حتى سمع الواعية عليه.
وقال حمزة بن إبراهيم: قال لبطة بن الفرزدق: لما ظننا أن أبي قد احتضر بكينا حوله، ففتح عينيه ثم قال: أعلي تبكون ؟ فقلنا: أفعلى ابن المراغة نبكي ؟ قال: أو ها هنا موضع ذكره ؟ ثم أغمي عليه، فلما أفاق قال: الوافر
إذا ما دبّت الأنقاء فوقي … وصاح صدىً عليّ مع الظّلام
لقد شمتت أعاديكم وقالت … أدانيكم من أين لنا المحامي ؟
وقال أبو الحسن عن كليب بن خلف قال: قال وكيع بن أبي سود عند موته لأهله وولده: إني إذا مت جاءكم قوم قد سودوا جباههم، ونشروا لحاهم، وعرضوا نعالهم، يقولون إن على أبيكم ديناً فاقضوه، فلا تقضوا عني شيئاً، فإن على أبيكم من الذنوب ما إن غفرها الله فالدين من أيسرها.
قال أبو الحسن عن عامر بن الأسود قال: قيل لأبي السفاح بكير بن معدان أوص، قال: إنا الكرام يوم طخفة. قالوا: إنك في الموت فقل خيراً وتشهد. قال: غلامي إذا مات فهو حر.
قال أبو الحسن: قال دحيم وهو بالموت: الرجز
قد وردت نفسي وما كادت ترد … قد كنت ذا أزرٍ شديد المعتمد
وكنت ذا شغبٍ على الخصم الألدّ … قد جاء قرنٌ ليس بالقرن يردّ
ثم هلك.
قال أبو الحسن: قيل لرجل وهو مريض: قل لا إله إلا الله. ب: فقال: لم يأن لذلك بعد.
وقيل لهرم بن حيان: أوص. فقال: صدقتني في الحياة نفسي، ما لي مال أوصيكم به، ولكني أوصيكم بخواتيم سورة البقرة.
وأخبر أبو الحسن عن شعبة بن عبد الله الأنصاري قال: عزى إياس بن معاوية رجلاً عن ابنه فقال: لا ينقص الله عددك، ولا يزل نعمةً عنك، وعجل الله لك من الخلف خيراً مما رزئت به وعزى آخر رجلاً فقال: إن فيما عوضك الله من الأجر خيراً مما فجعك به من الرزية.
وقيل لأعرابية: ما أحسن عزاءك عن ابنك ! فقالت: إن فقدانيه أمنني من المصائب بعده.
وقال: أخبرني سعيد عن رجل منهم قال: خرجت إلى اليمن فنزلت على امرأة منهم، فرأيت مالاً كبيراً ورقيقاً وولداً وحالاً حسنة، فأقمت حتى قضيت حاجتي. فأردت الرحيل فقلت لها: ألك حاجة ؟ قالت: نعم، كلما نزلت هذه البلاد فانزل علي، فغبرت أعواماً، ثم أتيت اليمن، فأتيت منزل المرأة فإذا حالتها قد تغيرت، وذهب رقيقها، ومات ولدها، وباعت منزلها، وإذا هي مسرورة بحالها، ضاحكة. فقلت: أتضحكين مع ما قد نزل بك ؟ قالت: يا عبد الله، كنت في حال النعمة ولي أحزان كثيرة، فعلمت أن ذلك من قلة الشكر، فأنا اليوم في هذه الحال أضحك شكراً لله على ما أعطاني من الصبر. فقلت لعبد الله بن عمر: ما رأيت منها ؟ فقال: ما كان صبر أيوب النبي عليه السلام إلى هذه بشيء.
وقال سفيان: شكا الربيع بن أبي راشد إلى محارب بن دثار إبطاء خبر أخيه جامع. فقال له محارب: إن لم تكن وطنت نفسك على فراق جامع فأنت عاجز.