الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

الفصل الأوَّل : مفهوم الأدب عند محمَّد ناصر

الجزء ١ · صفحة ١٤٨

وإلى إخراج الفكر من الذِّهن للعيان، من عالم الغيب إلى عالم الظُّهور، فالمهمُّ قبل الألفاظ هو حسن التَّصوُّر والتَّفكير (1).

إنَّه من الذين يحدِّدون أهدافهم الأدبيَّة قبل عمليَّة الكتابة، وذلك طبقًا لرؤيته الإسلاميَّة، التي تحتِّم عليه مبدأ الرِّساليَّة، فإذا حدِّد الهدف من الكتابة عرف كيف يكتب، وبما أنَّ اللَّغة هي وسيلة لإظهار الفكر الأدبي، الذي يتَّسم عنده بحسن التَّصوُّر والتَّدبير. فقد بنى كلَّ كتاباته على هذه القواعد، فكان إذا أراد أن يؤسِّس لأيِّ مشروع أدبي، سواء كان مقالة أو محاضرة أو بحثا أو شعرا أو قصَّة، يطيل التَّفكير لتصوُّر الموضوع، ويجمع عناصره وينسِّقها، فإذا انتهى من هذا كلِّه أخذ في التَّدوين والكتابة، ولا يجد صعوبة في انتقاء الألفاظ، وذلك لتكوينه الأدبي واللَّغوي وأصالة تجربته، التي تعني التَّفرُّد والامتياز والتَّعمُّق في الإحساس والبحث عن جوهر الأشياء (2). فالقارئ للأعمال الأدبيَّة لمحمد ناصر باختلاف أشكالها ينسبها مباشرة إليه، حتَّى ولو لم يكتب اسمه عليها.

إنَّه نموذج من نماذج الواقعيَّة الإسلاميَّة، التي تختزن ركائز قويَّة، تعتمد على التَّعقُّل والتَّجربة والوعي الرُّوحي في الوقت نفسه كعناصر تتضافر جهودها لتضع المذهب الأدبي الإسلامي، الذي يحمل رسالة (النُّبوَّة) الخالدة وليعبِّر عن الرُّؤيا الجديدة للكون والحياة (3).

القارئ لأدبه في حاجة إلى أن يتسلَّح بأسلحة كثيرة، لأنَّه أمام ظاهرة أدبيَّة خاصَّة تقتضي منه قدرًا من التَّنبه والتَّيقُّظ، كي يحظى بأكبر قدر من الزَّاد المعرفي والأدبي، وليس المعنى أنَّ عمليَّة القراءة تكلِّف العسر، وعدم الوضوح في المعنى والتَّعبير (4)، بل إنَّه أديب يلبس تجربته الأدبيَّة لباس اللَّفظ المناسب وَفق إطار خاصٍّ، عبر مفهومه للأدب الذي تترجمه تجربته وهي نقطة انطلاق لأعماله.

(1) شفيق جبري: "أنا والنَّثر"، ط 1، الشَّركة المتَّحدة للتَّوزيع، 1989 م، ص 173.

(2) عبد الله الرَّكيبي: "الشِّعر الدِّيني الجزائري الحديث"، ط 1، الشَّركة الوطنيَّة للنَّشر والتَّوزيع، الجزائر، 1985 م، ص 632.

(3) أحمد رحماني: "الرُّؤيا والتَّشكيل في الأدب المعاصر"، ط 1، مكتبة وهبة، القاهرة، 2003 م، ص 27.

(4) شفيق جبري: "أنا والنَّثر"، ص 174.