الفصل الأوَّل : مفهوم الأدب عند محمَّد ناصر
الجزء ١ · صفحة ١٤٧الأنا (سواء واعية أو غير واعية)، التي تعبِّر عنها كلماتي أو أفعالي … حيث تعمل الأفعال أو الكلمات بالتَّعبير عن الفاعل السَّابق (1).
هكذا تظهر الاختلافات من حيث الأولويات وعناصر العمل الأدبي كبيئة أساسيَّة متلاحمة أو مفكَّكة. إن زعم أنَّ الإبداع يتمُّ بلا وعي، وأنَّه يتمُّ في غيبة العقل تمامًا، وقد ذهب نيتشه إلى أنَّ الفنَّان (ليس تجسيدا لقوى عليا وناطقا باسمها ووسيطا لها، فالمرء يسمع ولا يبحث، ويأخذ ولا يسأل من الذي أعطى، والفكرة تومض كالبرق وتبدو وكأنَّها شيء لا مفرَّ منه، فلم يكن لديَّ أيَّ خيار (2).
إنَّ العبث واللاَّمعقول والرَّمزيَّة والسِّريالية والحداثة مذاهب أدبيَّة تجسِّد في الشَّكل كما في المضمون، وكلُّها مذاهب تتَّفق مع مذهب الفنِّ للفنِّ، وإنَّ الغموض الذي يلازمها ولا ينفكُّ عنها يبعد أشكالها الفنِّيَّة عن باب القبول عند الأديب الإسلامي، لأنَّ الأدب الإسلامي يقف من الغموض موقف النَّقيض.
إنَّ الفنَّ في الإسلام - أو الأدب الإسلامي - ليس غاية ولكنَّه وسيلة لغاية أبعد منها، لكنَّ إجادة العربيَّة مطلوبة بل واجبة، إنَّ استخدام اللَّفظ المقدَّس في السِّياق المدنَّس بإصرار غريب عند الحداثيِّين وتفجير اللُّغة من داخلها لتقويض نظامها، ودكّ بنائها عندهم، يبعد هذا الشَّكل عن دائرة القبول في الأدب الإسلامي (3).
أمَّا عند محمد ناصر فنلمس حسن التَّصوُّر في الشِّعر أو النَّثر، وأصل هذا الحسن إدراكه جيِّدًا ما يريد الإعراب عنه وبعبارة أوضح أن يعرف المرء ما يريد أن يقول معرفة حسنة، فإذا عرف ما يريد أن يقول عرف كيف يقول، فالألفاظ هي السَّبيل إلى هذا القول
(1) ج. كوللر: "ما النَّظريَّة الأدبيِّة"، ترجمة هدى الكيلاني، منشورات اتِّحاد الكتَّاب العرب، دمشق ص 127.
(2) أحمد محمد علي: "الأدب الإسلامي ضرورة"، ط 1، دار الصَّحوة للنَّشر والتَّوزيع، القاهرة، 1991 م، ص 29.
(3) أحمد محمد علي: "الأدب الإسلامي ضرورة"، ط 1، دار الصَّحوة للنَّشر والتَّوزيع، القاهرة، 1991 م، ص 111.