التَّرابط بين النَّصِّ والمبدع
الجزء ١ · صفحة ١٥٦لمتطلَّباته يكون - ولاشكَّ - عالما من خلال ذلك كلّه الأسلوب والطَّريقة والمنهج الذي يصبُّ فيه إبداعه (1).
إنَّ العلاقة المعقودة بين ثلاث حلقات: المبدع، النَّصّ، القارئ، هي عمليَّة تحويل الذَّات المبدعة إلى موضوع، يمكن أن يحتويها مصطلحان يتكاملان في بناء النَّصِّ الأدبي هما: النَّصُّ كبنية لغويَّة وأسلوبيَّة، والقارئ كبنية تقييميَّة، أمَّا الأوَّل ففيه تظهر الرُّؤى والتَّوجُّهات، والطَّاقات المشحونة في داخل الذَّات المبدعة (2)،إنَّه مظهر من مظاهر الفكر، ومنبر من منابره، أمَّا الثّاني (القارئ) فهو الباحث في العالم المنغلق، عالم النَّصِّ - على أساس أنَّ النَّصَّ موحّد من حيث التَّجربة والبناء- فيأخذ بادئ الأمر موقفا وفق نظرة شموليَّة، ثمَّ يحدِّد موقفه النِّهائي من النَّصِّ بعد التَّغلغل في المعنى الأبعد والأعمق.
إنَّ إقرار محمد ناصر بعلاقة القارئ بالنَّصِّ تستلزم علاقة متعدِّية إلى الأديب - وفق رؤية قبليَّة - حيث يجد في نفسه ما وجده الأديب، ويساعده في ذلك أسلوبه الأدبي المطبوع بطابع الوضوح، والسُّهولة والبساطة، مع المحافظة على روح اللُّغة وعبقريَّتها (3)؛ مؤكِّدًا هذا في قوله: إنَّ الموهبة والإبداع تستعصيان على تعلُّق القارئ بالنَّصِّ، كما أنَّ العناية بعواطفه ومشاعره - كما يرى الأديب - لها نفس الأهميَّة والعناية بجودة النَّصِّ، كما أنَّه في أحكامه النَّقديَّة ميَّز تمييزا دقيقا بين الحكم العقلي والخلقي والفنِّي، وبين الحكم بالصَّواب أو الحكم بالخير والجمال أو الجودة الجماليَّة، فقد مارس عمليَّة القراءة وحدَّد أحكامها، كما أيقن ما لرضى القارئ من أهميَّة في جودة النَّصِّ.
يحدِّد محمد ناصر تصوُّره لأدبه على أنَّه موهبة نابعة من الذَّات، وأنَّ الموهبة لا تنطلق من فراغ ولا تعمل في فراغ، إنَّها مرتبطة أشدَّ الارتباط بالطَّاقات والغرائز والحواس
(1) محمَّد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 09.
(2) نجيب الكيلاني: "رحلتي مع الأدب الإسلامي"، مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، 1985 م، ط 1، ص 89.
(3) شفيق جبري: "أنا والنَّثر"، ص 175.