التَّرابط بين النَّصِّ والمبدع
الجزء ١ · صفحة ١٥٥أمَّا حذره الشَّديد في اختيار فئة القرَّاء، فهو إدراكه جيِّدًا متطلَّبات كلِّ فئة وميولها القرائيَّة والأدبيَّة، والدَّور المناط من قراءة النَّصِّ حيث يقول: إنَّ الشِّعر رسالة عظيمة تبلغ للمتلقِّي وسيلة مثلى، يعبِّر الشَّاعر من خلالها عن أفكاره وتجاربه، ويعرض للمستمع من خلالها صفحة عقله إنَّه يسعى أن لا ينفر القارئ من متابعة قراءته، بل هو بحاجة لوسيلة إغراء تشدُّ القارئ إلى النِّهاية، لأنَّه يدرك وفق رؤيته الإسلاميَّة أنَّ الأفكار حين تقرأ يمكنها أن تتسرَّب إلى العقول والقلوب، مستغلًّا في ذلك كلَّ الوسائل اللُّغويَّة والدِّينيَّة، من أحاديث وآيات قرآنيَّة كحجج على صحَّة موقفه الأدبي: إنَّ قبول القارئ قراءة النَّصِّ هو إقرار ضمني بمبدأ المشاركة، وعليه فلابدَّ من معرفة الأبعاد التي سيتعامل بها للمشاركة في فهم النَّصِّ، وربَّما إعادة إنتاجه، مما يستوجب فهم سيسيولوجية القارئ، وسيكولوجيته من خلال أربعة عناصر؛ زمانه ومكانه ومعرفته وملكاته (1).
وبتحديد المتلقِّي يمكن للأديب - وفق مفهوم محمد ناصر - أن يستجيب لمتطلَّباته، مسطِّرًا بذلك القالب الأدبي الذي يصبُّ فيه إبداعه، وهكذا يكون قد أجاب عن السُّؤال الثَّالث: لمن أكتب؟، أي يقول: هناك المتلقِّي الذي لا يؤثّر فيه سوى الأسلوب الخطابي المباشر، وهناك الذي لا يستثيره سوى التَّهكُّم اللَّاذع والسُّخرية المريرة، وكم من مواقف تتطلَّب الشَّرح والتَّفسير، والبسط والإطناب، وغيرها تستنكف عن التِّكرار والتَّطويل، وتسمو إلى الإيجاز والتَّركيز اعتمادًا على ذكاء المعني بالأمر، ومستواه في الفهم والثَّقافة (2).
هنا تكمن قيمة الأدب المرتبطة باللَّذة القويَّة التي تحدثها في نفوس المتلقِّين (3).
إنَّ شغف القارئ بقراءة النَّصِّ هو تأكيد على كونه جزءًا من العمليَّة الإبداعيَّة، ومن هنا لابدَّ من تحديد كيفيَّة تعامله مع النَّصِّ ومدى فهمه له واستيعابه إيَّاه، فهو جزء لا يتجزَّأ من العمل الأدبي، كما يرى محمد ناصر أنَّه يجب تكثيف العمليَّة الإبداعيَّة وفق القارئ … - المتلقّي- للنَّصِّ الأدبي، فيقول: إنَّ الأديب عندما يحدِّد المتلقِّي ويتعرَّف عليه، ويستجيب
(1) أحمد رحماني: "نظريَّات نقديَّة وتطبيقها"، ص 149.
(2) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 09.
(3) مصطفى ناصف: "دراسة الأدب العربي"، ص 52.