القرآن الكريم مصدر للتَّجربة الشُّعوريَّة
الجزء ١ · صفحة ١٥٨بالعجب العجاب، أنزلها في كلامهم، وأين منها كلامهم؟، ألزمها حدود لسانهم، ومعانيها وراء كلِّ حدٍّ، وهذا هو سرُّ الإنشاء، وسرُّ الإبداء (1).
إنَّ القرآن نثر، جاء بلغة العرب في الجاهليَّة، واستعمل كلماتهم وفق مقتضى كلامهم إلَّا أنَّه نسج هذه الكلمات نسجًا فريدًا، ذا أساليب عالية جدًّا في بلاغتها، فكان قفزة بيانيَّة نوعيَّة في تعابيره وصوره، وتربَّع على عرش البلاغة العربيَّة، منذ أوَّل آية فيه، إلى آخر أية، وقد أصبح المثل الأعلى في البيان والبلاغة، فهو نتاج إلهي خالص، تنزَّل بلسان عربي مبين (2).
لا يحتاج المرء إلَّا إلى قليل من النَّظر ليقف عند آثار القرآن الكريم فيما خلَّفه كبار الكتَّاب، وعظام الشُّعراء، وكذا الحال عند محمد ناصر، فقد كان من الطَّبيعي أن يؤثِّر القرآن الكريم في أسلوبه، وأن يظهر أثره في أدائه لمختلف المعاني، لأنَّ الوحي هو صاحب الكلمة العليا في تعيين الحقِّ الذي هو ذروة الجمال (3)، ولا يقتصر الأمر على اللُّغة فيما يتعلَّق بتأثير النَّصِّ القرآني على سائر ما عداه، كما يقول أدونيس: يجيب النَّصُّ القرآني عن أسئلة الوجود، والأخلاق، والمصير، وهو يجيب عن ذلك بشكل جمالي فنِّي، ولهذا لا يمكن وصفه بأنَّه نصٌّ لغوي، أعني لابدَّ لفهمه من فهم لغته أوَّلا، وهذه اللُّغة ليست مجرَّد مفردات وتراكيب، وإنَّما تحمل رؤيا معيَّنة للإنسان والحياة والكون أصلاً، وغيبًا، ومآلاً (4).
في مقابلتي لمحمد ناصر سألته: في جلّ - إن لم نقل في أغلب إبداعاتك الأدبيَّة - تجعل من الأدب وسيلة وليست غاية. ماهي الأهداف المتوخَّاة من ذلك؟، ما هو دور الأديب؟.
(1) محمَّد صبري السّربوني خليل مطران (أروع ما كتب)، الهيئة العامَّة لقصور الثَّقافة، ط 1، 2004 م، ص 152.
(2) محمود المقداد: "أصول النَّثر العربي، عن وليم مارسيه"، مجلَّة التُّراث العربي، اتِّحاد الكتَّاب العرب، دمشق، العدد 18، كانون الثَّاني 1985 م.
(3) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر بين النَّظريَّة والتَّطبيق"، مركز الملك فيصل للبحوث والدِّراسات الإسلاميَّة، ط 1، 2004 م، ص 142.
(4) أدونيس: "النَّصُّ القرآني وآفاق الكتابة"، دار الأداب، بيروت، ط 10، 1993 م، ص 20.