الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

القرآن الكريم مصدر للتَّجربة الشُّعوريَّة

الجزء ١ · صفحة ١٦٦

ونراه في موقف آخر ينشد قصيدة نابضة بالإيمان في شهر القرآن تحت عنوان في وداع رمضان ضمَّنها تعبيرًا وتراكيب قرآنيَّة، يصف فيها الشَّهر الكريم وصفا تصويريًّا ذا طاقات إيحائيَّة، قويَّة تستمدُّ قوَّتها من قوَّة لغة القرآن الكريم، دون أن يهبط فنِّيًّا إلى مستوى التَّقريريَّة، فيقول:

وَقِيَامٌ مَعَ الملاَئك يغْشا … هُ سُكُونٌ وَرَحمْةٌ وَتَحِيَّه

ليْلةُ القدْرِ في حَنَاياَكَ مزن … تهَبُ المؤمِنِينَ منْهَا الشّهِيَّه

لَيْلُهَا رَوضَةٌ إلى الخُلْدِ فَيْحَا … وَسَلاَمٌ لِمَطْلعِ الفَجْرِ حَيَّا

وَحجَاب منَ الجَحيم وَعِتْقٌ … لرقَاب فيَا لَنِعْمَ العَطِيَّه (1)

استثمر محمد ناصر النَّصَّ القرآني في تجربته الإبداعيَّة، بدافع من شعور ديني عميق، فالقرآن الكريم بالنَّسبة له دستور ونظام حياة، يجب الوقوف عنده دائمًا، مستغلًّا بذلك الرَّمز في القرآن الكريم، لما فيه من سمات عامَّة، لا تبعث على الغموض والحيرة والبلبلة، وبذلك كان مستقبلا (2) لدى القرَّاء.

وأخيرًا يمكننا القول بأنَّ كلَّ ما قمنا بعرضه من تأثيرات القرآن الكريم على الأديب محمد ناصر، وانعكاس هذه التَّأثيرات على تجربته الشُّعوريَّة، ممَّا ولَّد أسلوبًا متميِّزًا، أكسبته جمالاً ومنحته قوَّة، وجلالا، زادت المعاني قيمة، وجعلتها أقرب للنَّفس، وأعلق للقلب، وتتبلور هذه الرُّؤية الإسلاميَّة في جلائها المشعّ في قصيدة قرارة القرآن حيث يقول الشَّاعر من خلال منظوره الإيماني العميق وعشقه لكتاب الله:

يَا صِرَاطَ الله يَا نُورَ الدُّجَى … يَا شِفَاءَ النّفسِ، يَا أمْنَ الضَّمَائِرْ

إنَّهُ الحَرْفُ الذِي هِمْتُ بِهِ … يَوْمَ بَسْمَلتُ طَرِي العُودِ نَاضِرْ

أنَا إِنْ هِمْتُ بِهِ - مُحْتَسِبا- … فَلأَنَّ الله جَلاَّهُ شَعَائِرْ

(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 431.

(2) نجيب الكيلاني: "آفاق الأدب الإسلامي"، ص 80.