الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

السُّموُّ الفنِّي ضرورة لازمة (التَّوازن بين الشَّكل والمضمون)

الجزء ١ · صفحة ١٦٨

يريد من الفنَّان أن يصل إلى تلك الأبعاد كي يكون تعبيره موازيا لتجربته، مغطِّيا إيَّاها بتكافؤ تامّ … وليس أروع من (التَّشكيل) في هذا المجال … أنَّه، يمتلك القدرة المرنة على تحقيق هذا الهدف بما يمتلكه من ألوان وظلال وأبعاد وتكوينات ومساحات وسمات تعبيريَّة، تهزُّ الإنسان الحسَّاس، وتفتح وعيه على حقائق النَّفس البشريَّة (1).

إنَّ السُّموَّ الفنِّي ضرورة لازمة لدى محمد ناصر، وليست منهجًا أو أسلوبًا، فهو يتأهَّب لكلِّ عمل من أعماله بحالة لغويَّة وتعبيريَّة مختلفة، تلك الحالة - أو الأسلوب - تتغيَّر من عمل إلى آخر، وليست أسلوبًا ثابتًا، يركن إليه وتصبح ملامحه متشابهة في جميع أعماله، فنحن حين نقرأ نصًّا شعريًّا أو نثريًّا لمحمد ناصر وننتهي منه، ثم نقرأ نصًا آخر له، فلابدَّ أن نتأهَّب لمطالعة لغة مغايرة وأسلوب مخالف (2)، مع محافظة على الرُّؤية الإسلاميَّة داخل العمل الأدبي.

ومهما يكن من أمر فإنَّ العمليَّة الإبداعيَّة الجديدة عنده تحتاج إلى خليط مركَّب من العناصر- إذا صحَّ التَّعبير- لا يمكن بدونها أو بافتقاد بعض عناصرها، أن تحقِّق السَّويَّة المطلوبة للإبداع (3)، فهو يرى أنَّه من شروط الأدب النَّاجح توفُّر: العمق والأصالة والصِّدق حيث يقول: من الشُّروط الموضوعيَّة للأدب النَّاجح أن يكون تعبيرًا فنِّيًّا يتَّسم بالعمق والأصالة والصِّدق، ولن يكون كذلك إلَّا عندما يتَّضح التَّوازن بين الشَّكل والمضمون (4).

أمَّا العمق والأصالة-فنيًّا- فلا تتحقَّق إلَّا من خلال المحور الأساسي وهو اللُّغة، واللُّغة: عبارة عمَّا يتواضع عليه القوم من الكلام، وقد قيل في اشتقاقها: إنَّها مشتقَّة من قولهم لغيت بالشَّيء إذا أولعت به، وأغْرَيْتُ به، وقيل: بل هي مشتقَّة من اللَّغو، وهو النُّطق، ومنه قولهم: سمعت لواغي القوم، أي أصواتهم، ولغوت، أي تكلَّمت، أصلها على

(1) ينظر عماد الدِّين خليل: "في النَّقد الإسلامي المعاصر"، مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، ط 3، 1984 م، ص 44.

(2) نلاحظ هذه الظَّاهرة خاصَّة في النَّصِّ الشِّعري، راجع "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة" لمحمد ناصر.

(3) عماد الدين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 71.

(4) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 27.