الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

السُّموُّ الفنِّي ضرورة لازمة (التَّوازن بين الشَّكل والمضمون)

الجزء ١ · صفحة ١٦٩

هذا لغوت، على مثال فعلة (1)، وهذا عن معنى اللُّغة لغويًّا، ويذكر ابن خلدون في مقدِّمته: (اعلم أنَّ اللُّغة في المتعارف هي عبارة المتكلِّم عن مقصوده، وتل العبارة فعل لساني ناشئ عن القصد، بإفادة الكلام، فلابدَّ أن تصير ملكة متقرِّرة في العضو الفاعل لها وهو اللِّسان، وهو في كلِّ أمَّة بحسب اصطلاحاتهم، وكانت الملَكَة الحاصلة للعرب من ذلك أحسن الملَكَات، وأوضحها إبانة عن المقاصد (2).

واللُّغة عند محمد ناصر من حيث مبدأ قيمتها، فهي لغة القرآن الكريم، التي بلغ بها أرقى درجات البيان، ولها من المميِّزات ما رفعها فوق اللُّغات الأخرى، بثرائها، وغناها، وتنوُّعها المدهش، ممَّا يُمَكِّنُ الأديب - محمد ناصر - العاشق للغة العربيَّة، فامتلاكه لها يطوي حرصًا شديدًا على تأصيلها، نتيجة لوعيه الحاد بحتميَّة التَّجذير والتَّأصيل اللُّغوي داخل العمل الأدبي النَّاجح، وكذا لوعيه بما يمنحه من خصوصيَّة تتجلَّى في البنية اللُّغويَّة، والتَّعبيريَّة، وفي ما يستخدمه الأديب من وسائل فنِّيَّة، وما يحقق بها من مستوى جمالي، أسعفته ثقافته وتراثه اللُّغوي، ومخزونه الأدبي في الاهتداء إليه فكلُّ ابتكار لجمال جديد في اللُّغة، لا يمكن إلَّا أن يستند إلى تقديمها الجمالي، فاللُّغة كيان، ولا نقدر أن نجدِّده إلَّا من داخله، من داخل عبقريَّته، وجماليته، وخصوصيَّته، إن كنت حديثا حقًّا فأنت تحيا في البهاء القديم، وفي طاقاته الفنِّيَّة التي تستنفذ، وكلُّ كلام على الحداثة ينبغي أن يتمَّ في إطار هذه الإحاطة، وهذه الكليَّة وهذه الرُّؤيا الشَّاملة (3).

إنَّ محمد ناصر يحكم على الأديب من خلال ما يسمِّيه الصِّدق الخلقي والفنِّي، حيث يقول في إحدى مقالاته النَّقديَّة: .. وأنتهي إلى القول بأنَّ ديوان (أسرار الغربة) يعتبر حسب رأيي من أهمِّ الدَّواوين التي صدرت بعد الاستقلال، لأنَّه يمتاز بالصِّدق الخلقي والفنِّي حقًّا، وهو يمتاز أيضا بما يعرف به الغماري من تمكُّن أصيل من أدواته الفنِّيَّة واللُّغويَّة على

(1) ابن سنان الخفاجي: "سرُّ الفصاحة"، ص 16، ابن خلدون: المقدِّمة، ص 352، عن مروة متولي: "حداثة النَّصِّ الأدبي المستند إلى التُّراث"، دار الأوائل، ط 1، 2008 م، ص 48.

(2) ابن خلدون: "المقدِّمة"، ص 352، عن مروة متولي: حداثة النَّصِّ الأدبي المستند إلى التُّراث، ص 48.

(3) أدونيس: "النَّصُّ القرآني وآفاق الكتابة"، دار الآداب، بيروت، ص 95.